spot_imgspot_img
بيتآراءمن مقعد الانتظار إلى قوانين الاحتكار

من مقعد الانتظار إلى قوانين الاحتكار

في إحدى زياراتي العادية لإحدى الدوائر الحكومية، وبينما كنت أترقب أن يُنادَى على رقمي، جلست إلى جانبي فتاة لافتة دفعتني ملامحها وثقتها إلى تبادل أطراف الحديث معها. 

لم تكن المحادثة عابرة، بل تحوّلت إلى مدخل غير متوقع لملف اقتصادي وقانوني معقّد ظل يشغل ذهني أياماً بعد ذلك. 

قالت إنها تعمل مندوبة مبيعات في واحدة من كبرى الشركات المحلية، وعندما سألتها عن المنافسين، أجابت بابتسامة فيها شيء من الغرور أن السوق لا يعرف منافسين حقيقيين، بل مجرد محاولات من شركات صغيرة تحاول اللحاق بهم.

أثار ردها لديّ تساؤلات عديدة عن واقع السوق، وعن مدى صحة هذا الشعور بالهيمنة المطلقة. 

هل نحن فعلاً أمام منافسة عادلة؟ أم أن هناك نوعاً من الاحتكار المقنّع الذي يتحصن خلف قوانين صيغت له خصيصاً؟ وهل يستطيع القانون أن يتدخل لإعادة التوازن؟ 

أسئلة كثيرة دفعتني لبدء رحلة بحث قانونية واقتصادية بدأت مع حديث عابر، لكنها لم تنتهِ إلا بعد التوغل في أعماق النصوص.

عدت إلى كتاب الدكتور صالح الفضالة بعنوان الوكالة التجارية (2022)، وهو من المراجع المهمة في فهم العلاقة بين الشركات والعلامات التجارية في قطر، ووفقاً لما ورد في الكتاب، فإن الوكالة التجارية الحصرية تعني أن الشركة الأم تمنح تاجراً واحداً فقط الحق في تمثيلها داخل الدولة، والتصرف باسمها، وتسويق منتجاتها، وتقديم خدماتها. 

بموجب هذا العقد، لا يُسمح لأي تاجر آخر، مهما كانت خبرته أو إمكانياته، أن يعرض منتجاتها أو يدير شؤونها في البلاد، وهذا يخلق، من الناحية القانونية، شكلاً من أشكال الاحتكار المشروع الذي لا يجرّمه القانون، لكنه من الناحية الاقتصادية، قد يسبب اختناقاً في فرص المنافسة.

هذا التنظيم القانوني يبدو للوهلة الأولى وسيلة لحماية العلامات التجارية وتسهيل إدارتها، لكنه، إذا تُرك دون ضوابط، قد يتحوّل إلى أداة للسيطرة شبه المطلقة على السوق. 

وفي اليوم ذاته، شاهدت حلقة من برنامج ملح الكلام استضافت الدكتور الفضالة نفسه، وطرحت عليه السؤال الذي كان يؤرقني، فأكّد أن الوكالة التجارية الحصرية أمر جائز قانوناً في قطر، لكنه أشار إلى أن الدولة كانت مدركة لحساسية هذه المسألة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسلع التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

في هذا السياق، قمت بمراجعة قانون تنظيم أعمال الوكلاء التجاريين رقم (8) لسنة 2002، وقرارات وزارة التجارة المرتبطة به، فوجدت أن قرار مجلس الوزراء رقم (24) لسنة 2016 يتضمن قائمة تحتوي على 35 سلعة استهلاكية لا يجوز احتكارها بوكالة واحدة، تضم الأرز، والسكر، والزيت، والحليب، والشاي، والبيض، والقهوة، والمناديل الورقية، والمنظفات، وغيرها من المنتجات الأساسية التي تدخل كل بيت. 

هذا الاستثناء الذكي يعكس حرص الدولة على عدم تحويل الحصرية التجارية إلى احتكار فعلي للسلع الحيوية، ويدل على وعي تشريعي متقدم يحاول التوفيق بين حرية التعاقد ومصلحة المستهلك.

ورغبة مني في التعمق، رجعت إلى قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم (19) لسنة 2006، هذا القانون لم يترك ثغرة إلا سدّها، حيث عرّف الاحتكار بأنه كل وضع تمكيني يسمح لشخص أو مجموعة من الأشخاص بالتحكم في السوق أو في جزء جوهري منه، مما يُخل بحرية المنافسة. 

وقد نص القانون على عقوبات صارمة تشمل غرامات لا تقل عن 100 ألف ريال، وقد تصل إلى 5٪ من إيرادات المنتجات أو الخدمات المعنية، أو خمسة ملايين ريال عند تعذر تقدير تلك الإيرادات، كما أجاز القانون مضاعفة العقوبة في حال تكرار المخالفة، بل قد تصل العقوبة إلى إلغاء الترخيص التجاري أو تعليق النشاط نهائياً في الحالات الجسيمة.

ورغم وضوح النصوص، بقي سؤال التطبيق يراودني: إذا كانت هذه التشريعات قوية بما فيه الكفاية، فلمَ تمر بعض الممارسات الاحتكارية في ظل وجودها؟ وهل هناك ثغرات تُستغل لتبرير الهيمنة على السوق؟ 

لم تقتصر التساؤلات عند هذا الحد، بل امتدت إلى مجال آخر كنت أظنه بعيداً عن هذه الدائرة، وهو مجال المناقصات الحكومية.

عند مراجعتي قانون رقم (24) لسنة 2015 بإصدار قانون تنظيم المناقصات والمزايدات ولائحته التنفيذية المتمثلة في قرار مجلس الوزراء رقم (16) لسنة 2019، فوجئت بنص قانوني واضح يحظر على الجهات الحكومية اشتراط علامة تجارية معينة أو بلد منشأ معين عند طرح المناقصات. 

هذه المادة تُعد من أهم أدوات حماية المنافسة، إذ تضمن أن جميع الوكلاء المتواجدين داخل البلاد، سواء كانوا ممثِلين لعلامات عالمية أو محلية، يمكنهم التقدم بعروضهم دون إقصاء أو تحيّز، شرط أن تستوفي عروضهم المواصفات الفنية المطلوبة. 

لم يكن هذا النص مجرد فقرة قانونية هامشية، بل كان إعلاناً صريحاً أن الدولة ترفض التمييز الذي يقود إلى احتكار مقنّع.

وأثناء تعمقي في فهم هذه القوانين، لم أستطع تجاهل رؤيتي لبعض الشركات التي تسيطر على السوق بشكل واضح، مثل شركة وقود، فأنا أرى أن محطات البنزين التقليدية تتحول تدريجياً إلى “وقود”، في مشهد يُشبه التوسع الكامل أو السيطرة الشاملة. 

بدا المشهد وكأنه احتكار فعلي، فطرحت على نفسي سؤالاً جديداً: كيف يُسمح بهذا الحجم من الهيمنة وهل هي تجارية بحتة، أم أن هناك إجراءات قانونية خاصة تبررها؟

عدت مجدداً إلى كتاب الدكتور الفضالة، فوجدته يشير إلى مفهوم “عقد الامتياز”، وهو عقد طويل الأجل يُبرم بين القطاع العام والقطاع الخاص، يُمنح الأخير فيه بموجبه حق إدارة أو تشغيل مرفق عام مقابل التزامه بشروط محددة. 

ولفهم أعمق لهذا النوع من العقود، رجعت إلى رسالة ماجستير أعدّها الباحث يوسف شفيع بعنوان الطبيعة القانونية لعقود مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في ضوء أحكام القانون القطري، أوضح فيها أن الدولة قد تلجأ إلى هذه العقود لأسباب تتعلق بتمويل المشاريع الضخمة دون إثقال كاهل الميزانية العامة، كما تسعى إلى الاستفادة من الخبرات الفنية والتكنولوجية للقطاع الخاص في تشغيل مرافق حيوية بكفاءة عالية.

عقود الامتياز، كما تَبيّن في الدراسة، لا تهدف إلى خصخصة المرافق العامة بشكل مباشر، بل إلى تمكين القطاع الخاص من إدارتها لفترة محددة تحت رقابة الدولة، وفي إطار قانوني واضح يضمن عدم إساءة استخدام النفوذ، وهذا ما يجعل مثال “وقود” مقبولاً ضمن هذا الإطار، فهي ليست حالة احتكار تجاري البتة كما قد يساء الفهم، بل امتياز رسمي من الدولة لإدارة مرفق عام، غالباً ضمن عقد شراكة طويل الأجل، محكوم بشروط فنية، ومواعيد تنفيذ وتسليم، وآليات رقابة دورية، وذلك بموجب القانون رقم (4) لسنة 2003.

في نهاية هذه الرحلة التي انطلقت من حوار عابر في صالة انتظار وانتهت بقراءة قانونية معمقة، أدركت أن السوق القطري يخضع لتوازنات دقيقة بين الحماية القانونية للمستثمر، والمصلحة العامة للمستهلك، وتقنين محكم من الجهات التشريعية ورقابة صارمة من الجهات التنفيذية. 

القوانين التي اطلعت عليها تعكس وعياً متقدماً، لا يقف فقط عند حدود تنظيم الأعمال، بل يسعى إلى خلق بيئة عادلة تمنع الاحتكار، وتحمي التنوع، وتضمن أن تكون الفرصة متاحة للجميع دون تمييز.

لكنّ نجاح هذه المنظومة لا يتوقف على القوانين وحدها، بل على تفعيلها، ورقابة تنفيذها، واستعدادنا كمجتمع لمساءلة الممارسات التي تخرج عن روح التنافس الشريف. 

فالوكالة التجارية، وعقد الامتياز، والمناقصة العامة، جميعها أدوات قانونية تنظيمة، لكنها قد تنقلب إلى أدوات احتكار إذا فُسّرت بمنطق الهيمنة بدل الشراكة

والمفارقة التي لم أفهمها إلا في نهاية هذا المشوار، أن تلك الفتاة الجميلة التي جلست بجانبي لم تكن تمثل شركة احتكارية، بل كانت تعمل في شركة ذكية تقرأ السوق جيداً، وتعرف كيف تقتنص الفرص. 

شركتها لم تحتكر السوق، بل ركزت على جلب أفضل الوكالات العالمية التي تعرف أن لها مستقبلاً واعداً في قطر، وقدّمتها بأسلوب احترافي جعلها تتصدر المشهد.

أما هي، فكانت أكثر من مجرد موظفة مبيعات؛ كانت تمتلك مهارات تسويقية لافتة، وقوة إقناع ناعمة مكنتها من توقيع عقود مع شركات كبرى. 

أدركت أن النجاح في السوق لا يحتاج دائماً إلى احتكار، بل إلى ذكاء تجاري، وحضور واثق، وفهم عميق للقوانين، ولرغبات المستهلكين واحتياجاتهم.

في النهاية، ربما ما ظننته احتكاراً لم يكن سوى تفوقاً مشروعاً لامرأة بارعة، وشركة تعرف كيف تلعب بذكاء في ملعب مفتوح.

Yousif Al Hamadi
Yousif Al Hamadihttp://www.qawl.com
مستودع أفكار لا تنتهي، بعضها وجد السبيل إلى أرض الواقع والآخر لا يزال، جميعها في ميدان الإعلام، مدعياً أنه أصبح فوق مستوى التأهيل.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية