في لحظة فارقة من تاريخ التعاون الخليجي، تتهيأ ست دول على ضفاف الخليج العربي لفتح بوابة سَفر موحدة، ليس فقط لتسهيل التنقل، بل لإعادة تعريف السياحة، وتعزيز التكامل، ورسم ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح والاندماج.
“تأشيرة الجولات الكبرى الخليجية” أو ما بات يُعرف إعلامياً بـ”الشنغن الخليجي”، ليست مجرد مبادرة إدارية لتسهيل دخول الزوار، بل هي تصور استراتيجي يجمع السياحة بالأمن، والثقافة بالتكنولوجيا، والضيافة بالذكاء الإقليمي.
تسمح هذه التأشيرة، التي يُنتظر إطلاقها رسمياً قبل نهاية عام 2025، بدخول السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان عبر تأشيرة واحدة، تماماً كما يفعل السائح الأوروبي المتنقل بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
وما يلفت النظر هو بساطة الإجراء مقارنة بضخامة تأثيره، حيث أن كل ما يتطلبه هو تقديم إلكتروني موحد، ومستندات واضحة، وتأمين صحي، وخطة سفر، وجواز ساري، لتُمنح بعد دقائق نافذة واسعة على ستة بلدان، لكل منها طابعها وتاريخها وصحراؤها وبحرها.
ورغم أن التأشيرة موجّهة في مرحلتها الأولى لمواطني الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية وآسيا، فإنها خطوة أولى في مشروع أكبر يُنتظر أن يشمل فئات أوسع من المسافرين لاحقاً، مع تطوير البنية التحتية، وربط الأنظمة الأمنية والسياحية بين الدول الست.
ولعل المشروع الأهم الذي سيتكامل مع هذه التأشيرة هو مشروع سكة الحديد الخليجية، الذي سيحمل المسافرين من الكويت إلى مسقط مروراً بالرياض والدمام وأبو ظبي والدوحة والمنامة، على مسار يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، في تجربة لوجستية تحاكي الحلم الأوروبي بقطاره العابر للحدود.
هذه التأشيرة ليست فقط تذكرة سفر، بل دعوة لاكتشاف الخليج بأعين جديدة، والعبور من بوابة واحدة إلى فسيفساء من الثقافات واللهجات والمناظر، من رمال الربع الخالي إلى أبراج الدوحة، ومن أهازيج البحرين إلى جبال عُمان.
ولأنها تأشيرة موحدة، فإنها تُعيد تشكيل الخريطة الذهنية للسياحة الخليجية، فتجعل السائح لا يزور بلداً بل إقليماً، ولا يخطط لرحلة قصيرة، بل لجولة ممتدة، تختصر الزمن وتُغني التجربة.
هكذا، وبين ختم جواز عند الحدود، وتذكرة قطار نحو مدينة جديدة، تنبض روح التعاون الخليجي في شكل ملموس.
جواز واحد، وجهات ست، وقلب خليجي نابض.




