في إحدى المرات، استعانت بي مؤسسة في دولة خليجية كمترجم مصاحب لوفد ألماني أثناء زيارته لمرافقها، الملفت أن الوفد لم يخف اندهاشه المتكرر من مستوى التجهيزات التي كانت على أعلى مستوى، والإنفاق الذي بدا وكأنه بلا سقف، فضلاً عن بحبوحة العيش التي تظهر آثار نعمتها على تنظيم الشوارع ونظافتها والبنى التحتية المتطورة والأمان شبه المطلق وأسلوب حياة الرفاهية للمواطنين وغالبية المقيمين.
لاحظت كيف كان الضيوف الألمان يقابلون الكرم الخليجي على دعوات الطعام في المطاعم الفارهة بالشكر والاعتذار بحجة الشبع من وجبة الإفطار في الفندق، ولا يقبولن إلا على استحياء النذر اليسير من فناجين القهوة، كنت أتحسر على فرص الطعام اللذيذ الضائعة، لكن لسان حالهم الذي ظهر لي جلياً على تعبيرات وجوههم تارة أو من خلال همساتهم تارة أخرى، يكاد يندب الحظ قائلاً: لماذا لا نعيش مثل هؤلاء الخليجيين، وبلدنا تُعد قاطرة اقتصاد القارة الأوروبية بلا منازع، وثالث أكبر اقتصاد في العالم؟
فما كان من بعضهم إلا أن يتطوع بتطيب الخواطر بقوله “ولكننا نعيش مستورين، لا نخشى الفاقة”.
هذه الصدمة الألمانية من البذخ الخليجي يبررها الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا الذي لا يقاس ببضعة عشرات أو مئات من المليارات الدولارية، بل بأكثر من خمسة آلاف مليار دولار ناتج محلي إجمالي تجاوزتها ألمانيا في عام 2025 وفقاً لموقع ورلدوميترز، وهو رقم يعلمون عظيم، ويكفي أن نعلم أن ولاية بافاريا وحدها بسكانها البالغ عددهم حوالي 13 مليون نسمة فقط يبلغ انتاجها المحلي الإجمالي ما يعادل مجموع الناتج المحلي الإجمالي لأغنى ثلاث دول خليجية مجتمعة، ألا وهي السعودية وقطر والإمارات.
هذا الثراء الفاحش الاستثنائي على مستوى العالم الذي تتمتع به ألمانيا، واحتياطيها الثاني عالمياً من الذهب بعد الولايات المتحدة البالغ حوالي 3,352 طناً وفقاً لرويترز، يقبع ثلثها مخزناً في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، لأسباب تعود إلى الحرب الباردة والنظام النقدي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جمعت ألمانيا معظم ذهبها خلال طفرة الصادرات بين خمسينيات وستينيات القرن العشرين، فخزنت ثلثه في نيويورك خلال الحرب الباردة لإبقائه على مسافة آمنة من روسيا في حال حدوث غزو، وهو ما أثار لعاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يسعى للسيطرة على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بما يحتويه أيضاً من ذهب ألمانيا، مما دفع اتحاد دافعي الضرائب الألماني في عام 2025 إلى إرسال رسائل إلى البنك المركزي الألماني ووزارة المالية تدعوهما لإعادة الذهب المخزن في الولايات المتحدة.
لكن رغم كل هذه الثروات الهائلة المدخرة والمضافة سنوياً، إلا أن ألمانيا ظلت على مر العقود بعد توفيرها لضروريات الصحة والتعليم مجاناً وإعانات البطالة في حدها الأدنى للإبقاء على رمق الحياة تنفق على أبنائها وبناتها بالقطارة حرفياً، لدرجة أن أكثر من نصف سكان ألمانيا وفقاً للمكتب الفيدرالي الألماني للإحصاء لا يملك بيتاً ويعيش في سكن مؤجر، بل إن أكثر من ثلث السكان في عام 2023 وفقاً للمصدر نفسه لم يتمكن حتى من ادخار 1500 دولار فقط لمواجهة المصاريف الضرورية الطارئة، كما أن 5٪ تعثروا مراراً في سداد فواتير الكهرباء والغاز.
لذلك يتصور البعض أن الإدارة الألمانية تتسم بالتقطير، لكن ما قد يدحض هذا التصور هو أن المساعدات الإنسانية والإنمائية الرسمية التي أنفقتها ألمانيا على مستوى العالم في عام 2024 وحده وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بلغت أكثر من 32 مليار دولار، محتلة بذلك الترتيب الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة مباشرة، وهو ما يعادل 0.67٪ من الدخل القومي الألماني، في حين أنفقت الولايات المتحدة في ذلك العام وفقاً للمصدر نفسه ما يعادل 0.22٪ فقط من دخلها القومي، رغم أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يعادل 6 أضعاف مثيله الألماني، ناهيك عن موارد الولايات المتحدة الطبيعية والبشرية الهائلة وتفوقها التكنولوجي ونفوذها السياسي والعسكري الذي لا يقارن به مثيله الألماني.
يبدو أن حذر العقلية الألمانية في التعامل مع المال الذي قد يراه البعض بخلاً له أصله على المستوى الشعبي، وجذوره على المستوى التاريخي، فحتى ميسوري الحال يعيشون في غير سرف، وكثيرون منهم يعتمدون على وسائل المواصلات العامة و الدراجات والمشي.
على الصعيد الديني في ألمانيا، تمرد مارتن لوثر مؤسس المذهب الإنجيلي في عام 1517 على بذخ الكنيسة الكاثوليكية، ودعى أتباعه لأهمية قيمة العمل، وعلق أطروحاته الخمس والتسعين باللغة اللاتينية المعتمدة آنذاك على باب كنيسة فيتنبرغ، قبل أن يترجم الإنجيلي إلى اللغة الألمانية لأول مرة، محتجاً على صكوك الغفران وممارسات مالية رآها استغلالاً دينياً وبذخاً كنسياً.

يقول لوثر في أطروحته الخامسة والأربعين “يجب تعليم المسيحيين أن من يرى إنساناً محتاجاً ويتجاوز عنه، ثم ينفق ماله على صكوك الغفران، فإنه لا يشتري غفرانات البابا، بل يشتري غضب الله”.
ومن أقواله المأثورة عن قيمة العمل وأهميته في موقع غريس كوتس “فكرة أن الخدمة لله يجب أن تتعلق فقط بمذبح الكنيسة، والغناء، والقراءة، والتضحية، وما شابه ذلك هي بلا شك أسوأ خدعة للشيطان. كيف كان الشيطان قد ضللنا بشكل أكثر فعالية من التصور الضيق بأن خدمة الله تحدث فقط في الكنيسة ومن خلال الأعمال التي تتم فيها… يمكن أن يكون العالم كله مليئا بالخدمات للرب… ليس فقط في الكنائس بل أيضا في المنزل، والمطبخ، والورشة، والحقل”.
أما موقفه من الرهبنة فيجمله بالقول “إن الزواج هو الاتحاد الشرعي والمعين من الله بين الرجل والمرأة على أمل إنجاب أطفال أو على الأقل بهدف تجنب الزنا والخطيئة والعيش لمجد الله”.
ورغم كتابات لوثر المهاجمة للإسلام، خاصة أنه ولد بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية على يد السلطان محمد الفاتح بنحو ثلاثين عاماً وتحويل عاصمتها إلى إسطنبول لاحقاً كعاصمة للخلافة العثمانية، إلا أن البعض يعتقد أنه تأثر ببعض قيم الإسلام، كرفض الوساطة الدينية، ونقد بذخ المؤسسة الدينية، وتعظيم قيمة العمل، لكن البعض الآخر يراها تقاطعات أخلاقية مع مبادئ إسلامية مماثلة، وهو تقاطع يمكن تفسيره بعودة لوثر إلى الجذور الأخلاقية للمسيحية الأولى، لا باستلهام مباشر من الإسلام.
ومن خلال مقارنة الأفكار الإصلاحية الدينية لدى مارتن لوثر وشيخ الإسلام ابن تيمية وحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي من حيث نقد المؤسسة الدينية، يتبين أن محاولات لوثر أدت إلى انقسام ديني كامل، بينما في حالة ابن تيمية أدت أفكاره إلى إصلاح عقدي من داخل الإسلام دون تأسيس مذهب جديد، أما في حالة الغزالي فقد أدت دعوته إلى إصلاح أخلاقي وروحي من داخل المؤسسة الدينية الرسمية.
أما على الصعيد اللاديني في ألمانيا، فقد ظهر أول نص مؤسس للشيوعية باللغة الألمانية تحديداً في عام 1848، حين نشر كارل ماركس وفريدريك إنجلز كتاب البيان الشيوعي، الذي شكل الإعلان الأول الواضح للفكر الشيوعي، ولاحقاً في عام 1867، استكمل ماركس هذا المسار بكتابه الأهم رأس المال، الصادر أيضاً بالألمانية، والذي يُعد المرجع النظري الأساسي لتحليل النظام الرأسمالي في الفكر الماركسي.
أما على صعيد التاريخ الحديث، فقد كان للزلزال الاقتصادي الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية بالغ الأثر على الوعي الاقتصادي الألماني.
فقد شهدت ألمانيا خلال فترة جمهورية فايمار (1921–1923) أخطر موجة تضخّم جامح في التاريخ الحديث، إذ أدّت سياسات تمويل الحرب العالمية الأولى عبر الدَّين، إلى جانب الأعباء الثقيلة لتعويضات الحرب، ثم اللجوء المفرط إلى طباعة النقود، إلى انهيار كامل في قيمة العملة، ونتيجة لذلك، أخذت الأسعار تتضاعف بوتيرة يومية، واضطر أرباب العمل إلى دفع الأجور مرتين في اليوم حتى يتمكّن العمال من إنفاقها قبل أن تفقد قيمتها، بينما تبخّرت المدّخرات كلياً لدى الطبقة الوسطى، ما خلف صدمة اقتصادية واجتماعية عميقة تركت أثرها طويل الأمد في الوعي والسياسات النقدية الألمانية.
أما الحرب العالمية الثانية (1939–1945) التي أشعل فتيلها الزعيم النازي أدولف هتلر فقد أدت إلى هزيمة ألمانيا واستسلامها بعد تدمير واسع للبنية التحتية والصناعية، كما انهارت عملة الرايخ مارك وفقدت قيمتها، وانتشرت السوق السوداء والمقايضة بدل النقود، بينما عانى السكان من نقص حاد في الغذاء والطاقة والسكن، إضافة إلى فرض تعويضات مالية وأعباء سياسية وقيود عسكرية على ألمانيا، وتقسيمها إلى دولتين شرقية وغربية، مع تفكيك بعض الصناعات ونقل معداتها، ولم يبدأ التعافي الحقيقي إلا بعد إصلاح العملة عام 1948 وإطلاق خطة مارشال، اللتين مهّدتا الطريق لما عُرف لاحقًا بالمعجزة الاقتصادية الألمانية، لكن ذلك جاء بعد واحدة من أقسى الصدمات الاقتصادية في التاريخ الحديث.
ثم عاد شبح التضخم مرة أخرى في الفترة (2021–2023) عقب جائحة كورونا وتداعيات حرب أوكرانيا، مسجلة في عام 2022 معدلات تضخم بلغت نحو9٪، وهي الأعلى منذ عقود من الاستقرار الاقتصادي، جاء هذا الارتفاع نتيجة اضطراب سلاسل التوريد العالمية بعد الإغلاقات، والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إثر تضيق روسيا ثم قطع إمدادت غازها عن ألمانيا بسبب موقفها الداعم لأوكرانيا، وفي مواجهة هذه الموجة، اتُّخذت إجراءات صارمة تمثّلت في تشديد السياسة النقدية عبر رفع أسعار الفائدة، إلى جانب حزم دعم حكومية واسعة لتخفيف العبء عن الأسر والشركات، خاصة في ما يتعلّق بتكاليف الطاقة والمعيشة.




