منذ اللحظات الأولى لانتصار الثورة الإيرانية، لم تكن الطريق مفروشة بالورود، بل تعرضت لهجمات شتى، بعضها اقتصادي، وآخر عسكري، لكن الأخطر كان ولا يزال الهجوم الإعلامي المستمر من الغرب وحلفائه، الذي يسعى إلى التشكيك في جوهر التغيير الذي أحدثته الثورة.
واحدة من أكثر الحملات الإعلامية تكراراً تلك التي تدّعي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تقدّم جديداً، وأنها في جوهرها لا تختلف كثيراً عن نظام الشاه سوى في الاسم والشعارات، وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيزعم أن الوضع اليوم أسوأ مما كان عليه في السابق.
إزاء هذا الخطاب من المهم التوقف عند الحقائق وإجراء مقارنة منصفة بين النظامين، وأن نقر بأنه لا يوجد نظام يخلو من السلبيات، فلا مسؤول معصوم من الأخطاء في أي زمان ومكان، وهناك بالفعل ممارسات في بعض مؤسسات الدولة لا تنسجم مع روح الإسلام ولا مع مبادئ الثورة، وهو ما لا ينكره بعض المسؤولين أنفسهم.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً كشف الاتهامات الجزافية التي تروج لها بعض وسائل الإعلام، فليس من الدقة القول إن الجمهورية الإسلامية مجرد شعار بلا مضمون، أو أنها لم تغيّر شيئاً في بنية الدولة والمجتمع.
حين ننظر إلى الفارق بين النظامين، نجد فروقاً جوهرية في طبيعة العلاقة بين الدولة والشعب، في آليات اتخاذ القرار، وفي حدود السلطة، وفي حضور القيم الدينية والأخلاقية في الحياة العامة.
أما من يروّج لهذا الخطاب الاتهامي القائل بأن “كل شيء بقي على حاله”، فكثير منهم من أولئك الذين استفادوا سابقاً من الامتيازات التي منحها نظام الشاه، والتي ذهبت مع الإطاحة به.
من حقنا جميعاً أن ننتقد الأداء وأن ننصح بالإصلاح، لكن من واجبنا أيضاً أن ننظر بموضوعية إلى حجم التحول الذي شهدته البلاد، بعيداً عن دعاوى التهويل والتبخيس.
حكومة الشاه وحكومة الجمهورية الإسلامية
الرؤساء الإيرانيون في عهد علي خامنئي ظلوا، منذ انتقاله إلى موقع المرشد الأعلى في عام 1989، يدورون في فلك معادلة معقدة بين الدور التنفيذي المعلن من جانب وبنية سلطة ظلّية متجذّرة في عمق الدولة من جانب آخر.
ووفقاً لما قاله الباحث محمد سيد رصاص في مقال له على موقع المركز الكردي للدراسات، فإن لحظة اختيار خامنئي كمرشد جاءت بتفاهم سياسي قاده هاشمي رفسنجاني، الذي ظن البعض حينها أن رئيساً ضعيفاً في الواجهة سيكون وسيلة فعالة للتحكم في مسار الجمهورية، غير أن التحولات اللاحقة أثبتت أن خامنئي قد نجح في إعادة هيكلة ميزان القوى في النظام لصالحه، من خلال تحالفه مع الحرس الثوري الذي يمتد إلى مفاصل الاقتصاد والأمن والإدارة والثقافة.
منذ ذلك الحين، أصبح موقع رئيس الجمهورية محدود التأثير، لا يمتلك فعلياً مفاتيح القرار الاستراتيجي، مع استثناءات ظرفية، كما حدث في تجربة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (1997-2005)، التي أشار إليها رصاص، فعلى الرغم من فوزه الواسع، بقي مهمشاً طيلة ولايته، خصوصاً بعد قمع المظاهرات الطلابية الكبرى في صيف 1999، حين تصرف خامنئي بوصفه الزعيم الحاكم، مستلهماً تجربة دينج شياو بينج في ساحة تيان آن مين الصينية.
مع انتخاب محمود أحمدي نجاد في 2005، بات واضحاً، وفقاً لرصاص، أن المرشد الأعلى يفضل رئيساً أكثر التصاقاً برؤية الدولة العميقة، فالأحداث التي رافقت انتخابات 2009 وما تلاها من تظاهرات كبرى، عرفت باسم الثورة الخضراء، أكدت مجدداً أن خامنئي هو صاحب القرار النهائي في كيفية التعامل مع الأزمات الاجتماعية، كما دلّ على ذلك خطابه في صلاة الجمعة بعد أيام من اندلاع التظاهرات.
في عهد الرئيس حسن روحاني، الذي جاء محملاً بوعود إصلاحية، سُمح بمساحة أوسع نسبياً للرئاسة، لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، وكما يقول رصاص، بدا أن خامنئي في تلك المرحلة كان يوازن بين الانفتاح المرحلي على الغرب وبين حفظ قواعد اللعبة الداخلية.
غير أن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق رجح كفة التشدد، ورسّخ قناعة جديدة لدى خامنئي بأن الاتفاقات مع واشنطن لم تعد رهانات آمنة.
من هنا جاء الدفع بترشيح إبراهيم رئيسي إلى رئاسة الجمهورية عام 2021، وبحسب تحليل رصاص، لم يكن هذا الاختيار عفوياً، بل كان مقصوداً، أراد منه خامنئي أن يغلق الطريق أمام احتمال ظهور (غورباتشوف إيراني)، يقوض أركان الدولة كما حدث على يد غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي.
ففي مرحلة باتت تتسم بشيخوخة القيادة في البلاد، أصبح واضحاً أن النجاحات الخارجية وحدها لم تعد كافية لمعالجة أزمة داخلية كامنة في مجتمع شاب يتطلع إلى تغيير عميق في بنية السلطة.
في السياق ذاته، ينتشر عدد من المغالطات حول مؤسسات الدولة، ومن بينها رئاسة الوزراء، فكما ورد في شبكة المعارف الإسلامية، لا يزال بعض المنتقدين يصرّون على تصوير النظام وكأنه استنساخ للنظام الشاهنشاهي، مع تغيّر في الأسماء فقط، إلا أن الواقع مختلف تماماً عن هذا التصور السطحي.
فمقارنة نمط سلوك رؤساء الوزراء الحاليين بأولئك الذين خدموا في عهد الشاه تكشف عن فوارق واسعة، فنمط حياة رئيس الوزراء والوزراء الحاليين، كما بيّنت شبكة المعارف الإسلامية، يختلف جذرياً عن أولئك الذين راكموا الثروات في العهد البهلوي.
المسؤولون اليوم يعيشون حياة بسيطة، ويعملون ساعات طويلة لخدمة الشعب، بعيداً عن مظاهر البذخ التي كانت سائدة آنذاك، ومن غير المنصف، وفقاً لهذا التحليل، مقارنة شخصيات مثل السيد رجائي ببختيار أو أزهاري، الذين كانا من رموز حكومات القمع، إذ لا يمكن الزعم أن رئيس الوزراء اليوم هو مجرد امتداد لرؤساء وزراء الأمس تحت اسم جديد.
الاختلاف بين الجمهورية الإسلامية ونظام الشاه ليس فقط في الشكل، بل في طبيعة علاقة الدولة بالشعب وفي غياب أنماط النهب والقمع الممنهج، ورغم وجود إخفاقات واضحة وتفاوت بين التوقعات الشعبية والإنجازات، تبقى الاتهامات التي يرددها بعض الحالمين بعودة العهد السابق، بلا سند واقعي، متجاهلة الجهود الحقيقية المبذولة لمعالجة أزمات يمتد عمرها لعقود.
بهذه الصورة، ظل الرؤساء الإيرانيون في عهد خامنئي يتحركون ضمن مساحة مرسومة بحدود سلطة المرشد، تتسع حين تدعو الحاجة إلى مرونة سياسية، كما حدث مع روحاني، وتضيق حين تقتضي الظروف تعزيز الخطاب الأيديولوجي، كما هو الحال مع إبراهيم رئيسي، وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل الجمهورية الإسلامية مرهوناً بتوازن القوى بين مؤسسات الدولة العميقة وبنية الرئاسة الرمزية، في ظل نظام سياسي بات أكثر حذراً من مغامرات الإصلاح غير المنضبط.

مجلس الشاه ومجلس الجمهورية الإسلامية
في العهد الشاهنشاهي، كان النظام السياسي الإيراني يقوم على ملكية مطلقة مقنّعة، يحكمها الملك بلا معارضة فعلية، وكان مجلس الشورى الوطني (المجلس الأدنى) ومجلس الشيوخ (المجلس الأعلى الذي أنشئ عام 1949) يمثلان السلطة التشريعية على الورق، لكن في الواقع كانا يفتقران إلى أي استقلال حقيقي.
وفقاً لما ذكره إرفاند أبراهاميان في كتابه إيران بين ثورتين (1982)، أصبح البرلمان جهازاً تابعاً للقصر منذ انقلاب عام 1953 الذي أسقط حكومة مصدق، وأعاد محمد رضا شاه إلى السلطة، ، ولم تعد الانتخابات البرلمانية حرة أو نزيهة، بل أصبحت تجري تحت رقابة جهاز السافاك، حيث يتم انتقاء النواب مسبقاً من بين الطبقة الأرستقراطية، وملاك الأراضي الكبار، ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام، وشخصيات مقربة من البلاط، مما جعل البرلمان هيئة شكلية تمثل النخبة الحاكمة ولا تُمثل الشعب.
لم تكن عملية التشريع في عهد الشاه نابعة من المجلس، فمعظم القوانين كانت تُصاغ في دوائر الحكومة أو القصر، وتُمرّر إلى المجلس للتصديق عليها، لتغطيتها قانونياً وإضفاء مظهر من الشرعية الدستورية على حكم فردي في جوهره.
لم يكن بإمكان البرلمان مساءلة الوزراء بجدية، ولم يكن رئيس الوزراء مسؤولاً أمام المجلس بقدر ما كان مسؤولاً أمام الشاه شخصياً، حيث كانت تفرض عليه القوانين الأساسية المتعلقة بالاقتصاد، والسياسة الخارجية، والعلاقات النفطية، وحتى القوانين الاجتماعية من أعلى إلى أسفل.
أما تركيبة البرلمان، فقد ظلت نخبويّة، كما يقول أبراهاميان، إذ كان معظم الأعضاء يأتون من الطبقة المالكة أو من نخبة رجال الأعمال في طهران والمدن الكبرى، وحتى الأعضاء الذين كانوا يقدَّمون إعلامياً كمستقلين أو معتدلين، كانوا في الحقيقة جزءاً من دائرة النظام، وكانت تُمنع شخصيات المعارضة من الترشح، أو تتعرض للاعتقال أو النفي، فالمجلس جزءاً من ديكور سياسي هدفه تجميل صورة نظام غير ديمقراطي.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في 1979، تغيّرت بنية السلطة، وأُلغي مجلس الشيوخ تماماً، وأُنشئ مجلس الشورى الإسلامي، وفقاً لدستور الجمهورية الإسلامية، ليكون البرلمان الموحد.
وكما تذكر شبكة المعارف الإسلامية، فإن البرلمان الجديد جاء ثمرة لتضحيات الشعب في الثورة، فالمجلس يُنتخب أعضاؤه عن طريق الاقتراع العام، ورئيس المجلس لم يعد شخصية أرستقراطية أو مقربة من رأس الدولة، بل يُنتخب من بين النواب الذين يمثلون شرائح أوسع من المجتمع.
أما الانتخابات البرلمانية فتتم وفق إطار دستوري، وتحت إشراف مجلس صيانة الدستور الذي يملك صلاحية الإشراف على نزاهة الانتخابات والقدح في أهلية المرشحين، وهذا يعني أن المجلس، وإن كان منتخباً شعبياً، إلا أن تركيبته تُصاغ ضمن حدود الأيديولوجيا الرسمية للنظام، حيث يتم استبعاد المعارضين للنظام الديني أو المنتقدين الجذريين، وهو ما نجد مثيلاً له في أي نظام آخر في العالم، فلا يمكن تصور قبول الترشح في الولايات المتحدة عن حزب يتبنى أيدلوجية شيوعية مثلاً، ولا يمكن تصور قبول الترشح عن حزب ذي أيديولوجية نازية في ألمانيا.
مع ذلك، كما يذكر علي قيصري وولي نصر في كتابهما الديمقراطية في إيران (2018)، فإن المجلس يتمتع بهامش سياسي أكبر بكثير مما كان عليه الحال في عهد الشاه، فهو ساحة للتنافس بين تيارات متعددة مثل المحافظين، والإصلاحيين، والمستقلين، وقد شهدت دوراته صراعات سياسية حقيقية أثْرت الحياة السياسية وأثّرت فيها.
يشير علي هاشم في مقال له بعنوان أهم ما فعله منذ التأسيس.. كيف انتخب مجلس الخبراء خامنئي قائدًا لإيران؟ على موقع الجادّة إلى أن تطور المجلس في عهد الجمهورية الإسلامية بعد انتخابات 1988 أعطاه طابعاً أكثر تماسكاً بوصفه المجلس التشريعي الوحيد، وذلك بعد إلغاء مجلس الشيوخ، ومع مرور الزمن أصبح المجلس منبراً لصراعات بين التيارات المختلفة، لا سيما بين المحافظين والإصلاحيين، كما أن المجلس الحالي له دور رقابي فعّال نسبياً، إذ يمارس استجواب الوزراء، ويشارك في التشريع بشكل أكثر حيوية مما كان عليه الحال في عهد الشاه.
الفرق الأساسي بين المجلسين هو أن مجلس الشاه كان هيئة شكلية موالية للقصر الملكي، بينما مجلس الشورى الإسلامي هو مؤسسة قائمة على الانتخابات العامة، تخضع لرقابة دينية وسياسية، لكنها تعكس بدرجة ما التحولات داخل المجتمع الإيراني.
كان الشاه يحتكر سلطة تشريع القوانين وتنفيذها، أما اليوم فالمرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية يتمتع بصلاحيات دستورية عليا، لكنه لا يدير البرلمان بشكل مباشر، بل يراقب المشهد عبر مؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور، حيث تُصاغ التشريعات داخل المجلس، رغم خضوعها لمراجعة دينية لها صبغة دستورية.
بالتالي، كما يرى أبراهاميان كان النظام التشريعي في العهد الشاهنشاهي مجرد ديكور يخدم نظاماً فردياً مطلقاً، بينما النظام الحالي يتمتع ببنية مؤسساتية أكثر تعقيداً، تسمح بقدر من التعددية المقيدة، وبرغم هيمنة السلطة الدينية، فإن المجلس في الجمهورية الإسلامية يمثل مساحة سياسية لها دورها في التوازنات الداخلية للنظام.
الجهاز القضائي الشاهنشاهي والسلطة القضائية بالجمهورية الإسلامية
في العهد الشاهنشاهي، كان القضاء الإيراني جهازاً تابعاً بالكامل للسلطة الملكية، بلا أي استقلال فعلي، كما يشرح أبراهاميان، فرغم محاولات رضا شاه في ثلاثينيات القرن العشرين لتحديث النظام القضائي وفق النمط الأوروبي، خصوصاً الفرنسي، ظل هذا الجهاز خاضعاً للقصر، لا سيما في القضايا السياسية، التي كانت تُحال في معظمها إلى المحاكم العسكرية، حيث تُصدر الأحكام بإملاء من جهاز الأمن (السافاك) ومن الشاه نفسه.
ولم يكن القضاة يملكون أي استقلال، وكانت تعييناتهم وترقياتهم تتم وفق درجة ولائهم للنظام، وفي تلك المرحلة، كان القضاء جزءاً من أدوات القمع، وليس وسيلة لتحقيق العدالة، كما كان الشاه يتدخل شخصياً في تعيين رؤساء المحاكم الكبرى، بينما كانت وزارة العدل جهازاً بيروقراطياً لا يملك حرية الفعل.
بل كانت هناك ازدواجية قانونية، حيث كانت توجد محاكم مدنية تستند إلى القانون الحديث، ومحاكم شرعية تتولى قضايا الأحوال الشخصية، لكن في جميع الأحوال ظل القاضي أقرب ما يكون إلى موظف لدى الدولة منه إلى قاضٍ مستقل، وهو ما تشير إليه شبكة المعارف الإسلامية، إذ لم يكن الجهاز القضائي في ذلك العهد سوى ذراع للنظام الشاهنشاهي، ومجرد أداة في يد الحاكم الفرد.
بعد الثورة الإسلامية عام 1979، تغير المشهد القانوني، وأنشئت سلطة قضائية جديدة ترتكز على الشريعة، وبدأ تأسيس جهاز قضائي مختلف في بنيته وأيديولوجيته، كما تقول شيماء علي في مقال لها بعنوان القضاء الإيراني: المؤسسة العصيّة على الإصلاح على موقع البيت الخليجي للدراسات والنشر، تولى محمد بهشتي، أحد أبرز مهندسي الدستور الجديد، مسؤولية إعادة بناء القضاء الإسلامي، معتمداً على طلابه ومساعديه من رجال الدين الشباب، ومنهم إبراهيم رئيسي وغيره من الشخصيات التي ستظل نافذة في القضاء لعقود.
خلال هذه التحولات، تم دمج الكثير من القوانين مع الشريعة الإسلامية، مع إدخال مواد مثيرة لانتقاد الغرب مثل رجم الزاني المحصن أو قطع يد السارق.
ومنذ البداية، ارتبط القضاء في الجمهورية الإسلامية بالسلطة الدينية، إذ صار المرشد الأعلى هو الذي يعيّن رئيس السلطة القضائية مباشرة، وفق نص دستور 1989 المعدّل.
ورغم أن القضاء أصبح، نظرياً، مؤسسة دستورية مستقلة، فإن ارتباطه المباشر بالمرشد الأعلى جعله أقرب إلى ذراع من أذرع السلطة العليا، وكما يوضح موقع شبكة المعارف الإسلامية، هناك فرق كبير بين قضاة العهد الشاهنشاهي، الذين كانوا غالباً من الطبقة الأرستقراطية أو المحسوبين على النظام، وبين القضاة الذين نشأوا بعد الثورة، الذين ينتمون إلى تيار الثورة وإلى المؤسسة الدينية.
لكن هذا لا يلغي وجود مشكلات هيكلية عميقة، كما بيّنت شيماء علي، حيث توالى على رأس السلطة القضائية رجال مثل عبد الكريم موسوي أردبيلي، الذي اصطدم لاحقاً بمحاكم الثورة ورفض بعض أحكام الإعدام الجماعي في 1988، ثم محمد يزدي، الذي عُرف عهده بذروة الفوضى والفساد، حيث عزز سلطة خامنئي على القضاء، وأقصى القضاة الذين عيّنهم الخميني، واستبدلهم بطبقة جديدة أكثر ولاءً للمرشد الجديد.
لم تتوقف هذه الإشكالات مع مجيء هاشمي شاهرودي، الذي حاول إصلاح القضاء، لكن واجه مقاومة من شبكات النفوذ القديمة، ولا في عهد صادق لاريجاني الذي عمّق التسييس وجعل القضاء أداة في الصراع السياسي الداخلي.
حتى في عهد إبراهيم رئيسي، رغم شعارات محاربة الفساد، بقي القضاء بعيداً عن الاستقلال التام، وظل تحت سيطرة المرشد الأعلى، مما أدى إلى استمرار ظواهر مثل الإعدامات السياسية، وقمع الاحتجاجات، والانتقائية في مكافحة الفساد.
بالمقارنة، ما يؤكد موقع شبكة المعارف الإسلامية هو أن القضاء في الجمهورية الإسلامية، رغم وجود نواقص وخلل، ليس هو نفسه القضاء الشاهنشاهي؛ فهويته تغيّرت، وتركيبة القضاة مختلفة، والشريعة هي المرجعية العليا.
لكن، كما يظهر من تحليل شيماء علي، فإنه رغم هذا التغيير في البنية، بقيت السمة المشتركة الأساسية بين القضاء في العهدين هي غياب الاستقلال التام، وإن كان في الجمهورية الإسلامية مصدر التدخل مختلفاً، ففي العهد الشاهنشاهي كان القصر هو المتحكم، أما اليوم فالمرشد الأعلى هو صاحب اليد العليا.
يُضاف إلى ذلك أن القمع في العهد الشاهنشاهي كان موجهاً ضد المعارضة الوطنية واليسارية أساساً، أما في الجمهورية الإسلامية، فهو يطول طيفاً أوسع يشمل أيضاً المعارضين من داخل النظام، الإصلاحيين، والمجتمع المدني.
في المحصلة، القضاء الإيراني تغيّر في الشكل والمرجعية بعد الثورة، لكن كما تقول شيماء علي، “لا يتمتع بأي استقلالية، وليس أكثر من حلقة ضمن حلقات مؤسسة الحكم في إدارة الدولة وتعزيز نفوذ المؤسسة السياسية فيها، تحت إدارة المرشد الأعلى وإشرافه”. وهو بذلك، وإن اختلف عن قضاء الشاه، يبقى أداة في يد السلطة وليس سلطة مستقلة.





[…] باب المحاكم والقضاء، افتتحت رند سعد العدد بمقالها مقارنة بين النظام الشاهنشاهي والجمهورية الإسلامية، الذي تناول فيه بنية القضاء والبرلمان وموقع الرئاسة […]