spot_imgspot_img
بيتتاريخعلم أصول الفقه بين رسوخ المنهج وحتمية التجديد

علم أصول الفقه بين رسوخ المنهج وحتمية التجديد

إنَّ من أولى واجبات المرحلة الحاضرة، في ظل التحولات المتسارعة في المعرفة وأساليب التفكير، أن نُعيد النظر في مناهج التعليم الشرعي، التي باتت في كثير من البيئات أسيرة تكرار الأطر التقليدية، بعيدة عن تنمية مَلَكة الاجتهاد، وغافلة عن حاجات العصر وتحدياته.

فلم يعد كافياً أن تُقدَّم النصوص منفصلة عن مقاصدها، أو أن يُربَّى الطالب على الحفظ دون الفهم العميق، بل من الواجب السعي إلى تطوير هذه المناهج، وربطها بروح الشريعة، ومنهجية الأصول، وأدوات الفقه المعاصر، حتى نُعدّ جيلاً قادراً على الفهم، والاستنباط، والمشاركة في نهضة الفكر الإسلامي.

ولطالما نهض في كل عصر عظماء من أهل العلم، حملوا مشاعل الهداية وساروا على درب الحكمة والعمل، لا يكتفون بحفظ ما كان، بل يجتهدون ليصوغوا منه علماً حياً يخاطب العقول والقلوب معاً.

وبمثل هؤلاء، تتجدد حياة الأمة ويُصان دينها، ويُبنى صرح الفكر على أسس راسخة، تحفظه من الإفراط أو التفريط.

ومن بين أعلام الفكر الإسلامي، يبرز الإمام الشافعي صوتاً متفرّداً، تجاوز حدود زمانه ومكانه، فلم يكن مجرد فقيه يروي المسائل، بل كان واضعاً لمنهج علمي متكامل، لا يزال أثره حياً في مدارس الفقه واللغة حتى اليوم.

وإنه من المهم التطرق لدراسة حياته،  لأنها ليست مجرد سيرة في بطون الكتب، بل هو مدرسة في الفهم، والاعتدال، والربط بين النص والعقل، وفي زماننا الذي تتسارع فيه الأفكار، تظل العودة إلى تجربته ضرورة لنتعلّم كيف يكون الفكر عميقاً، والخلق جميلاً، والمنهج راسخاً.

الإمام الشافعي

في الصفحات التي دوَّنها د. مقتدر حمدان الكبيسي في دراسته الإمام الشافعي وسيرته، ينبثق أمام القارئ وجه رجل ليس كغيره من الرجال؛ إنه أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، الذي لم يكن مولده إلا البداية لقصة علمية وإنسانية فارقة.

ولد الشافعي في غزة ثم انتقلت به أمه إلى مكة صغيراً بعد وفاة أبيه، ليجد في رحاب البيت الحرام بداية مسيرته مع العلم، فقد نشأ يتيماً فقيراً، لكن فطنته المتوقدة وشغفه بالمعرفة جعلاه يحفظ القرآن صغيراً، ليقبل بعد ذلك على حلقات الحديث واللغة، لا يمل ولا يفتر.

ويروي الكبيسي أن الإمام الشافعي كان ذا تعلق عميق بلسان العرب؛ فقد أدرك منذ نعومة أظفاره أن من أراد فهم الشريعة لا غنى له عن التمكن من لغة التنزيل، ولهذا رحل إلى بوادي هذيل، حيث عكف على الاستماع للشعر الجاهلي والتمرس على بلاغة العرب.

ثم ساقه طموحه إلى المدينة المنورة، ليجلس بين يدي الإمام مالك، صاحب الموطأ، حيث نهل الحديث وأدب العلماء من معين فقه، وهكذا بدأ يتشكّل في شخصية الشافعي هذا المزج النادر بين رواية الأثر ودقة النظر.

غير أن روحه الباحثة لم تكتفِ بما حصلته في الحجاز، فرحل إلى العراق، إلى مجالس فقهاء الرأي، وتعلم على يد محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، وهناك بدأ الشافعي يكوّن مشروعه العلمي الكبير الذي يجمع بين مدارس الفقه، ويصوغ لها أصولاً تضبط مسالك الاجتهاد.

ويبرز الكبيسي أن أعظم ما يميز الإمام الشافعي هو كونه واضع علم أصول الفقه، إذ كان أول من دوّنه بوضوح، ليكون للفقهاء ميزاناً ومعياراً يهتدون به.

مدرستي الرأي والحديث

حين بدأ الفقه الإسلامي يتشكّل ويأخذ ملامحه بعد عصر النبوة، لم يكن طريق العلماء واحداً في فهم النصوص ولا في استنباط الأحكام، حيث أن تلاميذ الصحابة ساروا في اتجاهين رئيسيين: مدرسة الحديث ومدرسة الرأي.

أما مدرسة الحديث، فقد نشأت في المدينة، حيث عاش كبار الصحابة، وكانت السنن والآثار محفوظة متداولة بينهم، يروونها ويرجعون إليها عند كل مسألة. 

يقول خالد عبد الجابر الصليبي في دراسته الإمام الشافعي بين مدرستي الرأي والحديث“كان أهل الحديث يتميزون بالوقوف عند الرواية، لا يتجاوزونها، ولا يفتون إلا بما سمعوه أو رأوه من النبي ﷺ، أو مِن أثر ثابت عن الصحابة.” 

ولهذا، حين لم يجدوا نصاً أو حديثاً في مسألة، كانوا يتوقفون، ولا يجيزون لأنفسهم الاسترسال بالرأي، إلا إذا اضطرتهم الحاجة القصوى.

في المقابل، نشأت في العراق مدرسة الرأي، حيث يقول الصليبي “قَلّ عدد الصحابة الوافدين إلى العراق، وقلّت عندهم الرواية، بينما كثرت النوازل والمعاملات المعقدة بسبب الفتح واتساع الدولة، فتوجه فقهاء العراق إلى استعمال الرأي والاجتهاد والقياس، ليجدوا حلولاً لما لم يرد فيه نص صريح.” 

وهكذا نشأ لديهم ميل إلى تحليل النصوص، واستنباط العلل والمقاصد، وربط الأحكام بالمصالح العامة.

ويمضي الصليبي في وصف الفرق قائلاً إن فقهاء مدرسة الحديث، وعلى رأسهم الإمام مالك ومَن قَبله زيد بن ثابت وابن عمر، كانوا أكثر ميلاً إلى المحافظة، يروون ولا يخوضون في الرأي، أما أصحاب الرأي كعبد الله بن مسعود وتلاميذه بالكوفة، ثم لاحقاً أبو حنيفة، فقد كان منهجهم “أكثر ميلاً إلى التفريع وإعمال النظر، مع الحرص على أن يكون الاجتهاد منضبطاً بقواعد الشرع.”

وقد أدّت هذه الفروق إلى ما يسميه الصليبي “نوعاً من التعصب الفقهي بين الفريقين، حتى جاء الإمام الشافعي ليجسر الهوة بينهما.” 

فقد تتلمذ الشافعي على أئمة المدرستين، فتشرّب منهج أهل الحديث وتفقّه من أصحاب الرأي، وبذلك، استطاع أن يصنع منهجاً متكاملاً فريداً، جمع بين احترام النصوص وحجية الحديث، وبين ضرورة استعمال العقل والقياس حين تدعو الحاجة، مع وضع ضوابط منهجية لكل منهما.

وهذا الجمع المتوازن بين الأثر والعقل، وبين الرواية والرأي، هو ما يجعل مشروع الشافعي في الفقه محطة فارقة، كما وصفها الصليبي قائلاً “لقد جدد الإمام الشافعي في صوغ الفقه، وأقام أصوله على قواعد متينة، نقلت الفقه من مرحلة التلقي العفوي إلى مرحلة العلم المنهجي المدون.”

علم أصول الفقه

حين نتأمل كيف توصّل الإمام الشافعي إلى تأسيس علم أصول الفقه، لا يمكننا أن نفصله عن علاقته العميقة بالقرآن الكريم، ولا عن إدراكه لحاجة الأمة إلى علم يضبط مسالك الاجتهاد، ويربطها بالوحي ربطاً لا يغفل عنه مقصد ولا يغشاه هوى. 

يقول الباحثان د. ناهض فرحات ود. بسام العف في دراستهما المقدّمة إلى مؤتمر الإمام الشافعي مكانة الإمام الشافعي في علم أصول الفقه، إن الإمام لم يبدأ من فراغ، بل عاين بعين الفقيه المتبصّر واقع الفقه في زمانه؛ فوجد أن العلماء يتفاوتون في طرائقهم في الاستنباط، وأن نصوص الكتاب تُتداول أحياناً بلا ضابط، أو تُعارضها آراء لا تستند إلى أصول بيّنة.

في هذا السياق، راح الإمام الشافعي يغوص في أعماق القرآن، مستقرئاً آياته، ومتدبراً سننها في التشريع، ليضع اللبنة الأولى في علم لم يكن قد دُوِّن بعدُ باسم أصول الفقه. 

لقد رأى أن النص القرآني هو المصدر الأول للأحكام، وأنه لا اجتهاد إلا في ضوء هذا المصدر، ولا قياس ولا رأي إلا على هديه، وكما قال في الرسالة إن القرآن هو الحجة البالغة، وإليه المرجع في الدين، وما عداه إما بيان له أو فرع عنه.

وإذ نظر إلى السنة، وجد أنها شارحة لكتاب الله تعالى ومفسرة له، لا تستقل دونه، بل تأتي حيث سكت، أو لتبيّن مجمله، أو لتخصص عامه، أو لتقيّد مطلقه، وبذلك بسّط العلاقة بين الكتاب والسنة في نسق متكامل لا يترك مجالاً للاجتهاد المنفلت من النص.

وفي دراستهما، بيّن الباحثان أن الشافعي، وهو يضع معالم علم الأصول، التفت إلى طرائق دلالة الألفاظ في الكتاب؛ كيف يُفهم العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ومن هنا صاغ أول القواعد في فهم النصوص.

كما أدرك أن الأحكام لا يُستخلص منها ظاهر الألفاظ وحدها، بل ينبغي الوقوف على المقاصد التي جاء بها التشريع، وهي رفع الحرج، وتحقيق العدل، وحفظ الضروريات، لذلك شكّل هذا الوعي بالمقاصد عنصراً جوهرياً في منظومته الأصولية.

ثم نظر الشافعي إلى القياس، فوجده أداة ضرورية لا غنى عنها في مواكبة النوازل والوقائع المتجددة، لكنه لم يُطلق العنان للقياس بلا ضابط، بل اشترط أن يكون فرعاً على أصل من الكتاب أو السنة، ومقيداً بما يحققه من حكمة الشريعة، فلا يكون قياساً اعتباطياً. 

وأكد على هذا الأصل في كتابه الرسالة، حيث قال: “لا يجوز لأحد أن يقول بالرأي والقياس إلا على أصل من كتاب الله أو سنة رسوله”.

لقد تتبّع الشافعي طريقة اجتهاد الصحابة، الذين كانوا يحتكمون أولاً إلى نصوص الوحي، ثم يجتهدون على ضوء تلك النصوص، وكانوا يدركون بداهة دلالات اللغة وأساليب الخطاب العربي، لأنهم أهلها، غير أن الشافعي أدرك أن هذه الملكة اللغوية بدأت تضعف بمرور الزمن، فكان لا بد من تقعيد القواعد، وتدوين المناهج، ليحفظ للأمة ميزان الاجتهاد على مر العصور.

وهكذا، جاء كتابه الرسالة، أول تدوين جامع لأصول الفقه، يضع ترتيب الأدلة، ويشرح كيفية التعامل مع كل منها، ويبيّن ضوابط الفهم، وحدود القياس، وشروط الاجتهاد، فلقد تحول ما كان مَلَكة عند الأوائل إلى علم يُدرّس ويُتناقل، وبذلك انفصل أصول الفقه كعلم مستقل عن الفقه المجرد.

ويؤكد فرحات والعف أن الإمام الشافعي حين نظر في القرآن، لم يكن ينقل فحسب، بل كان ينظّر ويؤسس، فلقد أعاد بناء العلاقة بين النص والاجتهاد، وبين الأصل والفرع، وبين الثابت والمتغير، ورسم للأمة معالم طريق الاجتهاد الصحيح، الذي يحفظ للشريعة أصولها ومقاصدها، ويجعلها قادرة على الاستمرار والتجدد.

التجديد في علم الأصول

من يقرأ اليوم واقع علم أصول الفقه، يدرك أنه يقف أمام مفترق طرق؛ فهو علم نشأ في رحم حاجة الأمة إلى منهج يضبط التفكير في النصوص، لكن هذا العلم الذي وُلد من قلب الفقه، وارتبط بواقعه وحاجاته، لم يَسْلم من التحوّلات التي طرأت عليه مع مرور العصور؛ إذ دخل عليه علم الكلام والمنطق، فأثقل مباحثه بقضايا جدلية لا تمت إلى غايته بصلة، حتى كاد ينفصل عن وظيفته العملية.

حيث يرى د. أحمد الريسوني، في كتابه علم أصول الفقه في ضوء مقاصده (2017)، أن التجديد الأصيل في هذا العلم لا يكون إلا “بتحريره من دخَن الكلام والمنطق، وإعادته إلى سابق عهده علماً خادماً للفقه، موجهاً للاجتهاد، مرتبطاً بالواقع.”

وهو ما عبّر عنه كذلك أبو الطيب مولود السريري حين قال: “لا بد أن يعود علم الأصول إلى موقعه الطبيعي، ليكون حياً فاعلاً في حياة المسلمين، لا مجرد ترف فكري يُدرّس في القاعات.”

ويضيف الريسوني، أن “الركيزة الأولى في هذا التجديد هي إعادة التذكير بالمقاصد التي من أجلها وُضع هذا العلم: معالجة الاختلاف، ضبط الاجتهاد، صياغة منهج الاستدلال الإسلامي.”

ويؤكد السريري هذا حين يلفت إلى أن كثيراً من المباحث الأصولية “صارت أقرب إلى التمرين العقلي المجرد منها إلى القواعد التي يخاطب بها الفقيه الواقع.”

في هذا السياق، تأتي الدعوة إلى تحرير الأصول من الدخَن، بتخليصه من المسائل الكلامية، وربطه بالفقه الحي، وتوسيع مباحث الأصول بما يناسب قضايا العصر، واقتراح قواعد جديدة تُسهم في استئناف دوره القيادي في الفكر الإسلامي.

اليوم، يتعامل أهل العصر مع علم أصول الفقه من خلال اتجاهين، فريق يكتفي بتدريسه كما هو، وفريق آخر، كالريسوني، يدعو إلى “تجديد واعٍ يُبقي للعلم أصالته، ويُعيد إليه وظيفته.”

وكما ختم الصليبي دراسته عن الشافعي قائلا “الفقه لا يحيا إلا بأصول تُجدد وتُحيى،” وهذا هو التحدي الذي يقف أمام العلماء المعاصرين.

Yousif Al Hamadi
Yousif Al Hamadihttp://www.qawl.com
مستودع أفكار لا تنتهي، بعضها وجد السبيل إلى أرض الواقع والآخر لا يزال، جميعها في ميدان الإعلام، مدعياً أنه أصبح فوق مستوى التأهيل.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية