spot_imgspot_img
بيتتاريخفلسفة الظاهرية في الفقه الإسلامي

فلسفة الظاهرية في الفقه الإسلامي

يقول المثل الإنجليزي “الكلمات مثل السهام: إذا أُطلقت لا يمكن استرجاعها.”

وقد انقلبت الدنيا في العالم العربي وكادت أن لا تقعد، إثر تصريح للشيخ السعودي صالح المغامسي في برنامج ذات الذي بثته قناة السعودية خلال شهر رمضان 1445 هـ.

ورغم مكانته كإمام وخطيب سابق لمسجد قباء في المدينة المنورة ، إضافة إلى أنه أحد أبرز الوجوه الدينية في السعودية، التي عرفها الناس من خلال برامجه وندواته ومؤلفاته الكثيرة، حتى صار اسمه مألوفاً في فضاء الدعوة والإرشاد. 

غير أن حديثه في هذا البرنامج التلفزيوني أثار موجة عارمة من الجدل، بعد أن دعا صراحة إلى عزمه على إنشاء مذهب فقهي جديد، قائلاً “الرجاء الذي أرجوه من الله عز وجل أن يحققه، وليعذرني أخوتي العلماء، أن ينشئ الله على يدي مذهباً إسلامياً فقهياً جديداً، هذا ما أرجوه من الله وأسعى له”.

وقد انقسمت ردود الأفعال على دعوته تلك بين مؤيد ومعارض، فمن جانب رآها البعض جرأةً محمودة وخطوة صحيحة على طريق تجديد الفقه وتخليصه من جمود التقليد. 

بينما رآها آخرون شططاً يقود إلى التفريط في الثوابت، مما قد يفتح الباب أمام إسلام حداثي يُفرغ النصوص من مضمونها، أو يردد كالببغاء دون وعي تُرهات مستشرق حاقد أو هلاوس ليبرالي منسلخ.

ومن أبرز ردود الفعل المنتقدة لدعوة المغماسي، البيان الصحفي  لهيئة كبار العلماء في السعودية الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية، وجاء فيه “إن الفقه الإسلامي بمذاهبه الفقهية المعتبرة، واجتهاداته المتنوعة، يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة، ويوفّق بين حاجاتها والشريعة الإسلامية، وهو ما تبرهن عليه الهيئات العلمية، والمجامع الفقهية، التي تمارس الاجتهاد الجماعي.”

 كما أضافت الهيئة قولها “إن من نعم الله على المسلمين – في هذا الوقت – تَيَسُّر الاجتهاد الجماعي عبر هذه الهيئات والمجامع، التي تتفاعل إيجاباً مع حاجات المجتمع وتطوراته المعرفية والاجتماعية والاقتصادية، ومئات القرارات التي صدرت عن هذه المؤسسات المجمعية في مختلف المجالات برهان ساطع على ذلك.”

“رجائي أن أنشئ مذهباً إسلامياً جديداً”.. الداعية صالح المغامسي يثير جدلاً بين مؤيد ورافض لكلامه

الجدل حول تصريحات المغامسي ليس جديداً، فقد أُقيل من إمامة مسجد قباء عام 2020 بعد تغريدة دعا فيها إلى الإفراج عن بعض السجناء، وهو ما فُهم وقتها كرسالة مبطنة بشأن بعض المعتقلين من الدعاة، ثم ظهر لاحقاً بمواقف مؤيدة لفعاليات هيئة الترفيه، بل وداعمة لتصريح رئيسها تركي آل الشيخ بالسماح بالغناء حتى في مكة، وهو ما زاد من حدة الجدل حول شخصيته.

الحق يُقال، إني فكرت كثيراً فيما قاله المغامسي، ولا أُخفي أنني لا أجد أي غضاضة في مولد مذهب فقهي جديد، إذ إن المعاملات والاتصالات والمواصلات وأسلوب الحياة بشكل عام اجتماعياً واقتصاديا وسياسياً انتقلت جميعها إلى مرحلة متطورة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً من قبل.

وبعيداً عما يفعله البعض من حصر الفقه في مذاهب أربعة، أو حتى في اثنين فقط من شيعة أو سنة كما يفعل كثيرون، فالمذاهب والمدارس الإسلامية كثيرة، ومنها ما هو متعلق بالفقه، أو متعلق بالعقيدة، حتى أنني في بعض المرات أشعر أنه من الصعب حصرها، فهناك مدارس الرأي، ومدارس الحديث، ومدارس الكلام، وهناك الأصولية، والظاهرية، والباطنية، وغيرها.

فنحن نشهد اليوم على سبيل المثال، بحوثاً تحاول تنظيم كل هذه المذاهب والتيارات في إطار مقاصد، وما زالت المناهج الإسلامية الشرعية في تطور، ولا أظن أنها ستقف، بل سيبقى علماء الأمة الربانيون يمارسون التجديد دون انقطاع.

في لقاء مع فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو على برنامج ليتفقهوا في الدين على قناة قاف التفاعلية، وضح أن المذاهب ليست ديناً في ذواتها، بل مدارس علمية تأسست لفهم النصوص الشرعية وتطبيقاتها على واقع الناس، وبيّن أن الاجتهاد لم يكن حكراً على الأئمة الأربعة المشهورين، إذ وصل عدد الصحابة الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد، بحسب إحصاء ابن حزم، إلى ثمانية عشر، بينما عدّهم الإمام النسائي اثنين وعشرين، وتتابع التابعون وأتباعهم على هذا النهج، حتى ذاعت في القرون الأولى مذاهب عديدة، بعضها اندثر ولم يبق منه إلا أثر، وبعضها صمد وانتشر.

هذه المذاهب هي طرق لفهم النصوص وتنزيلها على الواقع، وقد استدل الشيخ الددو بقوله تعالى في سورة النساء “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ”، على اعتبار أن الاستنباط هو وظيفة أهل العلم الذين جمعوا بين معرفة النصوص الشرعية، وأدركوا دلالات اللغة العربية، وفهموا الواقع الذي يعيشه الناس، ومن خلال دمج هذه النقاط الثلاث تمكنوا من معالجة النوازل وإصدار الفتاوى.

لماذا المذاهب الأربعة وهل التمذهب شرط في صحة العبادات | فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو

وللتأكيد ذكر الشيخ الددو ما نظمه الإمام السيوطي في كتابه الكوكب الساطع:  نظم جمع الجوامع في أصول الفقه من أبيات بينت أسماء عدد من الأئمة الذين ذاع صيتهم في الاجتهاد، حيث قال: 

والشافعي ومالك والحنظلي … إسحاق والنعمان ابن حنبل 

وابن عيينة مع الثوري … وابن جرير مع الاوزاعي 

والظاهري وسائر الأئمة … على هدى من ربهم ورحمة 

المذهب الظاهري

في دراسة حول نشأة المذهب الظاهري ورجاله وأصوله وسماته لنجم الدين الزنكي وحسن الحوسني، نُشرت في مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، بيّن الباحثان أن المذهب نشأ في العراق على يد الإمام داود بن علي الأصفهاني في القرن الثالث الهجري، فقد وضع قواعده المستقلة ودافع عنه حتى عُرف بالظاهري. 

تأثر داود بن علي داود بالإمام الشافعي في الأخذ بالنصوص وتعزيزها، فالشافعي كان يفسر الشريعة بالنصوص مع الحمل عليها بالقياس الجلي فقط، لكن داود بن علي داود مضى خطوة أبعد حين رفض القياس جملة، وأقام منهجاً يقوم على التمسك بظاهر اللفظ كما جاء في اللغة العربية، دون تعليل أو استحسان أو اعتبار للمصالح المرسلة.

وقد أشار الباحثان إلى أن المذهب ارتبط بالسياق الفكري والفقهي المعارض، “لاتساع مدرسة أهل الرأي، والأخذ بالقياس حتى بالغ فيه جماعة فقدموه على الإجماع، وغلا آخرون فردوا الأحاديث بالقياس، وأغرق فريق ثالث صار يؤول الآيات ويحيد بها عن معناها الذي أنزلت فيه، إذا عارض ذلك قياساً له أو رأيا”.

وذكر الزنكي والحوسني رأياً آخر يربط نشأة المذهب الظاهري بكونه الطرف المقابل على النقيض من الاتجاهات الباطنية التي انتشرت في ذلك العصر كالفرق الإسماعيلية وبعض الصوفية، لكنهما ضعّفا هذا الرأي، لأن المذهب الظاهري في جوهره فقه قائم على ظواهر النصوص وأدلتها، وولد من رحم الحاجة إلى حماية النصوص من التأويلات الشاذة، ومن الإفراط في القياس، فجاء ليؤكد على أن الكتاب والسنة والإجماع كافية لاستنباط الأحكام، وأن أي توسع خارج هذه الدائرة هو خروج عن مقصود الشرع.

تسلم الراية من بعد داود ابنه محمد الذي عُدّ إماماً جليلاً، ثم برز بعده فقيه العراق، وصاحب التصانيف ابن المغلس، والنحوي نفطويه، والقاضي الخرزي وغيرهم.

غير أن الدور الأهم كان لتلميذه عبد الله بن قاسم، الذي التقى داود في العراق، وحمل كتبه جميعاً إلى الأندلس، حيث نشرها وبثّ المذهب هناك، يعاضده في ذلك الإمام بَقِيّ بن مخلد، أحد كبار أهل الحديث الداعين إلى التمسك بالسنن والآثار.

وفي عهد عبد الرحمن الناصر، ثامن حكام الدولة الأموية في الأندلس، لعب القاضي المنذر بن سعيد البلوطي دوراً بارزاً في ترسيخ الظاهرية بفضل علمه ومنصبه، حتى جاء من بعده أبو الخيار مسعود بن مفلت، أستاذ الإمام ابن حزم الأندلسي. 

الذي بدوره التقط خيوط المذهب من جديد، فعكف على مؤلفات داود المنتشرة في الأندلس، وأعاد بسطها وتفصيلها في كتبه، ليبعث الحياة في المذهب الظاهري بجدله ومناظراته ومؤلفاته، جاعلاً منه مدرسة قائمة بذاتها لا تُغفل في تاريخ الفقه الإسلامي.

ابن حزم الأندلسي

هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الذي يرجع نسبه إلى سفيان بن يزيد، وقد وُلِد ابن حزم في 384 هـ، ويعد من أكبر علماء الأندلس، ومن أكثر علماء الإسلام تصنيفاً وتأليفاً بعد الطبري.

كما كان أديباً وشاعراً ونسّابة وعالماً برجال الحديث، وتولى وزارة ثلاثة خلفاء لفترة عابرة، للمرتضي في بلنسية، ولصديقه عبد الرحمن المستظهر بالله، وهشام المعتد آخر خلفاء قرطبة، وآخر حكام الدولة الأموية في الأندلس.

لم يكن نتاج الإمام ابن حزم العلمي وليد الصدفة أو مجرد اجتهاد متقطع، بل كان ثمرة خطة واعية ومنهج دقيق رسمه لنفسه منذ البداية، فقد عرف طريقه جيداً، وأدرك من أين ينطلق وإلى أين يريد أن يصل، فجاءت مؤلفاته كلها موظفة لخدمة قناعاته الظاهرية، ومنظمة في إطار متكامل يجعل فكره منظومة متماسكة ذات محور واحد. 

وما يميز إنتاجه ليس غزارة المادة فحسب، بل الطريقة التي صاغ بها أفكاره، عبر عرض مرتب، وأسلوب واضح أخاذ، ورؤية تتسم بالتماسك والصرامة، حتى ليصعب أن نجد مفكراً آخر استطاع أن يؤصل مشروعه الفكري بهذه الدرجة من الانضباط.

يقول أنور الزعبي‎ في كتابه ظاهرية ابن حزم الأندلسي: نظرية المعرفة ومناهج البحث (2008) إن توجه ابن حزم انعكس على مسيرته الشخصية أيضاً، فابتعاده عن السياسة لم يكن عزوفاً عن الشأن العام، بقدر ما كان انسجاماً مع مذهبه القائم على تطابق الباطن والظاهر. 

فقد انتبه الزعبي إلى أن الأحوال السياسة في نهاية الخلافة الأموية حملت في طياتها مناورات وأحابيل، قد تدفع المرء إلى أن يُبطن خلاف ما يُظهر، وهذا يتناقض مع الرؤية الظاهرية القائمة على الاستقامة في القول والفعل، وفي السر والعلن، لذلك وجد ابن حزم في العلم والبحث ملاذاً يحقق له الإخلاص الذي ينشده.

وقد أُحرقت كتبه في مدينة إشبيلية سنة 448 هـ بسبب التوترات المذهبية والسياسية آنذاك، فوفقاً لمقال نكبة ابن حزم: مسيرة عالم الأندلس الموسوعي من ضياع الوزارة لحرق كتبه للدكتور سليمان البياضي على موقع بوابة الأهرام كان الرجل بارزاً في التعبير عن آرائه دون تزيين، يتصدى لفقهاء المالكية بنقد صارم، وهو ما أثار حفيظة العلماء والسلطان معاً. 

وقد تضافرت الجهود لتحجيمه، ثم صدر قرار بإحراق مؤلفاته علانية في إشبيلية، بذريعة الدفاع عن المذهب المالكي ووضع حد لما رآه البعض بدعاً ومنهجاً خطيراً.

ورغم هذه الحملة الواسعة، فإن إرث ابن حزم العقلي بقي حياً، إذ دوّنه ونقله تلامذته ونشروا كتبه، حتى أُحصيت من بعدهم بثمانين ألف ورقة، مما يدل على أن الحرق فشل في محو فكره، فظل ضوءه يتوهج عبر العصور.

منهج ابن حزم الظاهري

الظاهرية بطبيعتها تستند في جوهرها إلى التعامل مع ظواهر الأشياء والأمور، وإرجاعها إلى البديهيات العقلية والوقائع الحسية، كما يصفها الزعبي، فما لم يكن له أصل في الحس أو العقل أو نص صريح، اعتبرته لغواً لا يستحق الالتفات. 

ومن هنا جاءت حدّة ابن حزم وجدّيته في النقاش، إذ كان يلاحق مخالفيه بلا هوادة، محاصراً ما يراه من بدع أو تجاوزات بلا دليل معتبر، وهذه الصرامة الفكرية بوأته محل تقدير عظيم عند معاصريه، وإن أخذوا عليه الشدة وقلة المرونة في السياسة والجدل.

لقد جعل ابن حزم من العلم مجال حياته الأرحب، فانصرف عن المناصب والدسائس، وكرّس وقته للبحث والتأليف، مستفيداً من ملاحظاته ونقده ومناقشاته التي خاضها في فترات سابقة، موظفاً أدواته الأدبية والشعرية في خدمة مشروعه. 

وهكذا تبلورت شخصيته كفقيه ظاهري شديد الوفاء لنصوص الوحي من قرآن كريم وسنة نبوية، وكمفكر عقلاني صارم لا يقبل أن يتجاوز أحد حدود الحس والعقل إلا بدليل قاطع.

فقد بنى ملامح منهجه على ضوابط قاطعة لا تقبل التأويل، فما دام النص قائماً فلا يزول حكمه إلا بدليل آخر من جنسه، وهو ما عُرف عنده بالاستصحاب، فكل ما لم يرد فيه نص صريح فهو عنده على الإباحة.

اعتمد ابن حزم في منهجه الفقهي على الاستصحاب بأشكاله المتعددة، مؤسساً بذلك لرؤية صارمة ووفية للنصوص، فهو أولاً يستصحب العموم فيبقي النص على إطلاقه حتى يرد مخصِّصاً، ومن أمثلته إجازته الأضحية بكل حيوان مأكول اللحم، كالفرس والإبل والديك، محتجاً بقوله تعالى في سورة الحج “وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”. 

كما شدّد على استصحاب الخصوص، فلا يمدّ حكم النص إلى غير ما ورد فيه، مثل قصر تحريم التفاضل على البُر دون سائر الحبوب، أو قصر حكم السمن المائع الذي وقع فيه فأر على السمن وحده. 

ويرى أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريم، مستشهداً بقوله تعالى في سورة البقرة “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً”. 

أما الاستصحاب عنده فمرتبط دائماً باليقين، إذ لا يجوز رفع اليقين بالشك، كما ورد في رواية ابن عباس عن الرسول ﷺ أنه قال: “يأتي أحدَكمُ الشَّيطانُ في الصَّلاةِ، فينفخُ في مقعدتِه، فيُخيَّلُ إليهِ أنَّهُ أحدَثَ، ولَم يُحدِثْ، فإذا وجدَ ذلِك فلا ينصرِفْ حتَّى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً”. 

وأخيراً، قرر استصحاب العدم الأصلي، فالذمة بريئة من كل التزامات وشروط إلا ما أثبته نص أو إجماع، بهذا جعل ابن حزم الاستصحاب سياجاً يقي من البدع، ويثبت أن لا حكم إلا بنص يقيني. 

كما رفض القول بدليل الخطاب، أي الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه، بحيث يكون حكم المسكوت نقيض المنطوق، كما عرّفه عياض السلمي في كتابه أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (2019)، وعدّه من التكلف الباطل، ورأى أن الألفاظ الشرعية باقية على عمومها حتى يقوم دليل صحيح يُخصصها.

ومن أمثلة الأدلة الخطابية، جواب الرسول ﷺ على المرأة التي سألته هل على المرأةِ غُسلٌ إذا احتَلَمت؟ فقال “نعَم إذا رأَتِ الماءَ”، وفي ذلك يرى بعض الفقهاء أنه لا غسل على المرأة إذا لم تر الماء، كما يرى بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة النور “فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً”، عدم جواز النقص أو الزيادة، وهناك من فهم قوله ﷺ “ليس في المالِ زكاةٌ حتَّى يحولَ عليه الحوْلُ” على وجوبها بتمام الحول، وقوله تعالى في سورة البقرة ” ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ” يفيد عدم صحة صيام الليل. 

ويرى ابن حزم أن أفعال النبي ﷺ لا تكون فرضاً إلا إذا وردت بياناً لأمر، أما ما كان منها على سبيل العادة فالتأسي به حسن لا واجب، كما قطع بعدم جواز اتباع شرائع الأنبياء السابقين لبعثة محمد ﷺ، مستشهداً بقوله تعالى في سورة المائدة “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً”.

وأخيراً رفض ابن حزم ومن اتبع منهج الظاهرية التقليد رفضاً قاطعاً، إذ لا يحل لمسلم أن يأخذ بقول أحد دون برهان يقنعه هو شخصياً، حتى لو كان صحابياً، بل ذهب إلى أن المجتهد المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب، ومع ذلك ظل يجلّ أئمة المذاهب، ويرى أن الخلاف معهم لا ينتقص من مكانتهم، بل هو خلاف في الرأي لا في التقدير.

رفض التقليد عند الظاهرية

هناك كثيرون يظنون أن الظاهرية لا تعدو إلا بعض مؤلفات ابن حزم، وأنه لا رجال لها ولا امتداد إلا في تراثه، ولهذا كان لا بد من وقفة تبصير وبيان توضح أن الظاهرية ليست مجرد مذهب، بل هي منهج وطريقة في التعامل مع النصوص والاحتجاج بها. 

وقد عبّر ابن حزم في كتابه الإحكام عن هذا بقوله “والظاهر هو النص”، فجعل من التمسك بالظاهر جوهر المنهج، وهكذا تصلح التسمية أن تكون “المذهب الظاهري” كما تصلح أن تكون “المنهج الظاهري”، غير أن المذهب يفتح باب التقليد، بينما المنهج لا يعرف إلا الرجوع إلى النصوص، ولذلك فضّل بعض أهل العلم وصفها بالمنهج.

وقد بيّن العلماء أن المقلِّد في المذهب لا يخرج عن أن يكون مجتهداً مقيداً، كجرم يدور في فَلك عالِم.

أما من تحرّر من ربقة التقليد وعاد إلى النص مسترشداً به، كابن حزم أو ابن تيمية أو العز بن عبد السلام، فهو مجتهد مُطلَق، يختار من أقوال المذاهب أقواها في نظره دليلاً وحجة، مَثلهم في ذلك مَثلُ طائر ثاقب البصر يحلق في أفق رحب. 

ولا يدعي أحد أن ابن حزم أو داود أو غيرهما معصومين، فلا يجوز أن تُجعل أقوالهم ديناً يُقلّد تقليداً أعمى، ولا ريب أن هذا هو التقليد المذموم بعينه، وهو عين ما وقع فيه مقلدة المذاهب بشكل عام.

أما إذا كان الأخذ والردّ قائماً على النظر في النصوص وموازنة الأقوال، فهذا هو المذهب الحق والمنهج الصحيح.

ومن فخر الأئمة أنهم جميعاً اتفقوا على قاعدة ذهبية، لخصها الإمام الشافعي في قوله “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، ولم يرضوا أن يُنسب إليهم تقليد أعمى يخالف النص، ومن هنا وجب التنبيه إلى أن هناك فرقاً بين مصطلحي المذهب والمنهج.

فالمذهب عند الفقهاء طريق واحد يمشي فيه السالكون خلف إمامهم كظلّه أينما ولى، أما المنهج فهو أوسع من ذلك بكثير، تتعدد مسالكه بتعدد النصوص ووجوه دلالاتها.

ولهذا رأينا داخل كل مذهب مدارس فرعية تُنسب إلى كبار أعلامه، كالمالكية الذين ميّزوا بين مدرسة الإمام الفقيه المصري المالكي عبدالله بن عبد الحكم، ومدرسة عبد الرحمن بن القاسم العتقي أطول التلاميذ صحبة لمالك وغيرهما.

الخلاصة أن المنهج أعمّ من المذهب وأقوم في الاستعمال؛ إذ يتحرر فيه الباحث من قيد التبعية لفهم من الأفهام إلى رحابة النص بدلالته المتنوعة ومرونته المتأصلة.

وحتى إن استعملنا مصطلح المذهبية بمعنى النزعة التجديدية القائمة على الاجتهاد، فلن نكون قد جانبنا الصواب، بل نكون على خطى الإمام ابن حزم الذي سبق أن تبنّى هذا النهج، فأحيا به روح الاجتهاد وربطه دوماً بسلطان النص.

Yousif Al Hamadi
Yousif Al Hamadihttp://www.qawl.com
مستودع أفكار لا تنتهي، بعضها وجد السبيل إلى أرض الواقع والآخر لا يزال، جميعها في ميدان الإعلام، مدعياً أنه أصبح فوق مستوى التأهيل.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية