من أبيات الشعر التي جرت على ألسنة العرب مثلاً “ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ *** يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ امِّ عامر ِ”، ولكن ما قصة أم عامر؟
يُروى أن جماعة من العرب خرجوا يوماً للصيد، وبينما هم في مطاردتهم تعرّضت لهم أنثى ضبع، وكان العرب يسمونها “أم عامر”، ولما كان الحر قد اشتد في ذلك اليوم، فقد عانت من الإنهاك والإعياء، فما كان منها إلا أن لجأت إلى بيت أعرابي رق لحالها، فخرج إلى الصيادين شاهراً سيفه وسألهم عن سبب مطاردتهم لها، فأجابوه بأنهم خرجوا للتريض والصيد، لكن الأعرابي رفض تسليمها، قائلاً لهم “لقد أصبحت في جِواري، ولن تصلوا إليها ما دام هذا السيف في يدي”.
انصرف القوم، وأخذ الأعرابي ينظر إلى الضبع الجائعة، فرق لها قلبه أكثر، وحلب شاته وقدم لها اللبن حتى ارتوت واستعادت عافيتها، شعر الأعرابي بالسعادة لما فعله من إحسان، ونام مرتاح البال، فرحاً بما قدّم من معروف.
لكنه حين أخلد إلى النوم، تحركت غريزة الضبع المفترسة، فدنت منه وهو غافٍ، ثم انقضت عليه، وبقرت بطنه ومصت دمه حتى أردته قتيلاً، ثم تركته وغادرت.
في صباح اليوم التالي، جاء ابن عم الأعرابي يسأل عنه، فوجده جثة هامدة وقد علم بفعلتها، فتتبع أثر “أم عامر” حتى عثر عليها، فرماها بسهم قاتل ثأراً لابن عمه الذي لم يدرك أن الإحسان إلى كائن مفترس لا يغيّر طبعه.
ثم أنشد قائلاً:
ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ *** يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ امِّ عامر ِ
أدام لها حين استجارت بقـــــــربهِ *** طعاماً وألبان اللـــقاح الدرائـــــــر ِ
وسمـَّـنها حتى إذا مـــــا تكاملــــتْ *** فـَـرَتـْهُ بأنيابٍ لها وأظافــــــــــر
فقلْ لذوي المعروفِ هذا جزاء منْ *** بدا يصنعُ المعروفَ في غير شــاكر
في منشور على فيسبوك لشاب يلتقط لنفسه صورة سيلفي في بيته وفي خلفيته أسد غضنفر يجلس كأنه قطة عملاقة، وهو يحدق في مركز العدسة اللاقطة بعينين منكسرتين ولسان حاله يقول “ما الذي أتى بي إلى هذا المجلس الوثير، بعد أن فقدت لقب ملك الغابة؟ وهل لو أعادوني إلى حياة البرية سأستغني عن شرائح اللحم الجاهزة التي تُلقى أمام ناظري دون عناء؟ أين مغامراتي التي أطارد فيها الفرائس، فيكون شبعي ليس مجرد نجاة من الموت جوعاً، بل تأكيداً على استحقاقي للحياة؟”
يبدو أن قصة أم عامر لم تصل بعد في عصر الإنترنت إلى هذا الشاب ولا إلى المهووسين بالشهرة، فعلى مدار السنوات الأخيرة، تحوّلت ظاهرة اقتناء الحيوانات المفترسة في بعض المجتمعات الخليجية من مشهد نادر الحدوث إلى ظاهرة شبه مألوفة في بعض الأوساط التي تعرض صوراً على منصات التواصل الاجتماعي لأسود ونمور وفهود تجلس بجوار أصحابها أو تخرج معها في سياراتها للتنزه كأنها كلاب أليفة أو قطط وديعة، وقد أصبحت تلك الصور تلقى آلاف الإعجابات والتعليقات، غير أن ما يبدو للبعض مشهداً من مشاهد التميز والرفاهية يخفي خلفه قصة مليئة بالتعقيد، تتشابك فيها خيوط القانون، والأخلاق، والبيئة، والأمن المجتمعي.

وقد أشار ولي الدين حسن في مقال له بعنوان تربية الحيوانات المفترسة.. عندما تتحول الشوارع إلى «غابة» إلى أن “وزارة الداخلية «بمجهوداتها الكبيرة» كشفت منذ أشهر عن قيام بعض الأفراد في الآونة الأخيرة بتربية حيوانات مفترسة في المنازل، واصطحابها إلى الأماكن العامة والتجول بها في السيارات، مؤكدة أن هذه الهوايات تنذر بعواقب وخيمة تتعدى مسؤولية الشخص المربي لها إلى الأشخاص المقيمين في الحي أو المنطقة، وكذلك رواد المجمعات أو المناطق الترفيهية المفتوحة”.
ومن أسباب هذه الظاهرة الثراء الفاحش لبعض الأشخاص الذي شجع لديهم التباهي بمظاهر استعراضية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تغذي حب الظهور، وغياب الوعي المجتمعي الكافي بخطورة اقتناء مثل هذه الحيوانات، سواء من الناحية البيئية أو الأمنية.
وفي مقال بعنوان الحبس والغرامة لحائزي الحيوانات المفترسة يقول محمد حافظ إن “أغلب الحيوانات تأتي من دول شرق آسيا والدول الإفريقية، وغالباً ما يقوم مهربو الحيوانات المفترسة بجلبها بأعمار صغيرة لا يتعدى عمرها ثلاثة أشهر حتى يتمكنوا من إخفائها أثناء عبورها من المنافذ البرية ويتمّ تخديرها بالكامل حتى تسهل عملية التهريب”.
وقد نشر مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 2014 قانون (نظام) الرفق بالحيوان لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ولائحته التنفيذية الذي جاء في مادته رقم (8) “يُحظر تنظيم المعارض والأسواق العامة أو الخاصة أو إقامة المنافسات أو عروض للحيوانات لأغراض تجارية أو أية أغراض أخرى، إلا بعد الحصول على ترخيـص مـن الجهات المعنية وفقاً للشروط والضوابط المنصوص عليها في هذا القانون (النظـام)”.
كما سنّت دولة قطر قانون رقم (10) لسنة 2019 لتنظيم اقتناء الحيوانات والكائنات الخطرة الذي يحظر اقتناء أي من الحيوانات أو الكائنات الخطرة، أو استيرادها أو تصديرها أو الاتجار فيها، دون ترخيص رسمي، حيث يفرض شروطاً صارمة للحصول على الترخيص، مثل توفير مكان آمن يتوافق مع معايير السلامة، وتوفير طبيب بيطري مختص يتولى مهام الإشراف الصحي، كما يعاقب المخالفين بغرامات تصل إلى 100,000 ريال قطري أو السجن حتى ثلاث سنوات، أو كلتيهما، أما وإذا أدى الحادث إلى وفاة أو عاهة مستديمة، فقد تصل العقوبة إلى السجن 25 عاماً.
وقد وضح المحامي د. خالد المهندي في لقاء أجرته معه صحيفة الشرق القطرية أنه “رغم وجود قانون ينظم عملية اقتناء الحيوانات المفترسة، إلا أن المجتمع أفاق مصدوماً على حادثة خطيرة تعرض لها مواطن باعتداء حيوان قادته غريزته إلى الافتراس، ولولا عناية الله لكاد المواطن أن يفقد حياته، وهذه الحادثة دليل على خطورة اقتناء الحيوانات المفترسة سواء بترخيص أم بدون ترخيص”.
ولا يقتصر دور الدولة على فرض القوانين، بل يمتد أيضاً إلى المراقبة الميدانية، فبحسب لقاء أجرته صحيفة الشرق القطرية مع د. ضافي حيدان، رئيس القسم الحيواني بوزارة البيئة والتغير المناخي أشار إلى أن “وزارة البيئة والتغير المناخي دعت مالكي وحائزي هذه الحيوانات والكائنات الخطرة إلى تسجيلها عبر موقع الوزارة أو عبر البريد الالكتروني Dp@mecc.gov.qa أو التواصل على الرقم 16066 وطلب تسجيل، وسيتم التواصل من قبل المختصين لدينا للتوضيح بطريقة التسجيل، وتمتد المهلة المحددة للتسجيل إلى 3 أشهر من تاريخ الإعلان”.
إن اقتناء الحيوانات المفترسة لا يطرح فقط أسئلة أمنية، بل يثير أيضاً إشكاليات بيئية وأخلاقية عميقة، منها الضغط النفسي والسلوكي الذي تتعرض له الحيوانات البرية بسبب حاجتها إلى بيئة واسعة ومعقدة لتلبية احتياجاتها السلوكية، فوضعها في أقفاص أو مزارع ضيقة يسبب لها معاناة، قد تظهر على شكل عدوانية أو سلوكيات مضطربة.

كما أن كثير من الحيوانات تصل إلى قطر عبر شبكات تهريب غير قانونية، مما يهدد بانقراض أنواعها في مواطنها الأصلية، ويمثل خرقاً للاتفاقيات الدولية مثل معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض (سايتس) التي من ضمن ما نصت عليه ما جاء في مادتها الثالثة “يُشترط استيراد أي عينة من الأنواع المدرجة في الملحق الأول الحصول مسبقاً على تصريح استيراد، بالإضافة إلى تصريح تصدير أو شهادة إعادة تصدير. ولا يُمنح تصريح الاستيراد إلا عند استيفاء” شروط معينة صارمة.
وتُعد محمية وحديقة الدوسري بالشحانية في دولة قطر، المملوكة ملكية خاصة لعائلة الدوسري، واحدة من حدائق حيوانات السفاري الأكثر شهرة في قطر، حيث توجد بها الأغنام البرية والذئاب والفهود والمها العربية.
كما تُعد حديقة حيوانات قطر التي أنشئت في عام 1984 مكاناً مثالياً تحت إشراف الدولة لعرض الحيوانات البرية، حيث تمر بعمليات تجديد وإعادة تأهيل.
وقد أشارت صحيفة الراية القطرية إلى استقبال “حديقة الحيوان في كل من الدوحة ومنتزه الخور 265 مولوداً جديداً من مختلف أنواع الحيوانات” خلال 2023، وأضافت أنها “تخضع بعض الأنواع بكلتا الحديقتين إلى برنامج خاص لتكاثرها مع التركيز على التغذية المتكاملة، بجانب التحكم في درجات الحرارة والرطوبة لكي تحاكي بيئتها الطبيعية.
ولمواجهة ظاهرة اقتناء الأفراد لحيوانات برية، يجب تشديد القوانين، وليس فقط تنظيم الترخيص، بل والانتقال إلى حظر شبه تام على اقتناء الحيوانات المفترسة لأغراض شخصية، مع ضرورة تشديد الرقابة الجمركية، لمكافحة التهريب، وإطلاق حملات توعوية موجهة تستهدف فئات الشباب والمراهقين، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تُعتبر بيئة خصبة تروج مثل هذه الممارسات، ولا يمكن إغفال توفير بدائل آمنة، مثل إنشاء محميات وحدائق حيوان مغلقة، يمكن للمالكين نقل حيواناتهم إليها والانتفاع منها دون تهديد أمن المجتمع.
في زمن تتصاعد فيه المخاطر البيئية والصحية حول العالم، لا بد أن يتجه المجتمع نحو تبني مفاهيم توازن بين الرفاهية والحكمة، بين حب التميز واحترام الطبيعة.
إن هذه الكائنات الرائعة، التي خُلقت لتعيش بحرية في البراري والغابات، لا مكان لها ولو في أقفاص من ذهب.





[…] رند سعد، فقد أخذتنا في مقالها اقتناء الحيوانات المفترسة في الخليج إلى زاوية قانونية وبيئية، ناقشت فيه ظاهرة اقتناء […]