spot_imgspot_img
بيتالمرأةهل هناك مكان لمصطلح التحرش في القوانين العربية؟

هل هناك مكان لمصطلح التحرش في القوانين العربية؟

يقول قيس بن الملوح، أحد أشهر شعراء العصر الأموي في ليلى العامرية:

تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِيَ ذَاتُ تَمَائِمٍ *** وَلَمْ يَبْدُ لِلأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ

فهل تعتبر هذه الأبيات من باب الغزل أم جريمة تحرش بليلى؟

قانونياً، العبرة هنا ليست بنية المادح، بل بقبول أو رفض الطرف الثاني توجيه مثل هذه الكلمات له، هنا المعضلة الكبرى، فالفعل نفسه لا يعتبر مباشرة تحرشاً، إلا بعد أن يقع أولاً ثم يرفضه الطرف المخاطب ثانياً.

مشكلة إثبات التحرش الأبرز أنه أحياناً قد يكون وجهة نظر نسبية، فكل الجرائم المتعمدة تُعد جرائم بمجرد وقوعها، لكن التحرش ينفرد بأنه كلمات إطراء أو ذم أو حتى نظرات أو إشارات أو رسائل إلكترونية يوجهها طرف إلى آخر، ثم فيما بعد يحدد الشخص المستهدف إذا كان يقبلها أو يرفضها، فإذا رفضها تحقق ركن التحرش فيها. 

فإذا أراد شخص أن يتغزل بجمال عيون زميلته في العمل مثلاً، عليه قانونياً أولاً أن يتأكد بشكل موثق وواضح لا لبس فيه، إن كانت تقبل منه كلمات الغزل أم يحتفظ بها لنفسه.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن رسائل الجوال المتكررة بالسلام اليومي ورسائل جمعة مباركة يمكن قانونياً أن يتقدم بشكوى بشأنها من يراها أمراً مزعجاً له.  

في مصر، تحولت قضية أحمد بسام زكي في عام 2020 من بلاغات فردية متفرقة إلى واحدة من أكثر قضايا التحرش الجنسي إثارة للجدل في مصر، بسبب جسامة الاتهامات الموجهة إلى المتهم، كما كشفت عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في كسر الصمت عندما تتعثر القنوات الرسمية.

وقد صدر بحقه حكم غير قابل للطعن بالسجن ثلاث سنوات بسبب التحرش، إضافة إلى خمس سنوات أخرى في قضايا أخرى ذات صلة، ويتضمن ملف حكم محكمة الجنح بالمحكمة الاقتصادية بالقاهرة التهم الموجهة إليه ومنطوق الحكم عليه وحيثياته.

تشير الوقائع المذكورة في الملف إلى أن المتهم كان يتعرف على ضحاياه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث كان يدرس، ثم كان يتدرج في التواصل من الإعجاب والمجاملة إلى الضغط النفسي، فإلى التهديد والابتزاز، وصولاً إلى الاعتداء في بعض الحالات.

هذا التدرج، الذي ناقشته المحكمة في حيثياتها، اعتبرته دليلاً على القصد الجنائي، وعلى استغلال واضح لمخاوف الضحايا، خاصة الخوف من الفضيحة والتشهير.

ومن الأدلة التي استندت إليها المحكمة، المحادثات الإلكترونية، والتسجيلات الصوتية، والرسائل النصية، باعتبارها أدلة معتبرة متى ثبتت سلامتها الفنية ونسبتها إلى المتهم، كما استندت إلى أقوال المجني عليهن، معتبرة أن تساندها وتوافقها في العناصر الجوهرية، رغم اختلاف الأزمنة والظروف، يعزز من مصداقيتها.

كما ذكرت المحكمة دفوع الدفاع، التي تمحورت حول الإنكار، والتشكيك في أقوال الضحايا، والادعاء بكيدية الاتهامات أو فبركة الحسابات الإلكترونية، غير أن المحكمة ردت على هذه الدفوع بشكل مفصل، واعتبرت أن مجرد الإنكار لا يكفي لدرء الاتهام، وأن تعدد الشكاوى وتوافقها ينفي شبهة التلفيق، كما شددت على أن الطعن على الأدلة الرقمية لا يُعتد به ما لم يقم على أساس تقني معتبر.

أهمية القضية لا تنبع فقط من تفاصيلها الجنائية، بل من السياق الأوسع الذي أحاط بها، فانتشار الشهادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة من خلال حساب مصري بعنوان Assault Police على إنستغرام وفيسبوك، يشبه حركة أنا أيضاً الأمريكية التي ظهرت على خلفية فضائح التحرش الجنسي المنسوبة للمنتج والمخرج السينمائي الأمريكي هارفي واينستين التي اتهمته فيها عشرات النساء في هوليوود.

لكن في مصر، توجد عوامل تجعل من قرار الإبلاغ مغامرة شخصية قد تكلف الضحية أمنها، حتى قبل أن تبدأ المعركة القانونية، منها مخاوف الضحايا من التشهير، والقلق من سوء المعاملة داخل أقسام الشرطة والنيابة، وانعدام الثقة في سرية الإجراءات، إضافة إلى الوصم الاجتماعي الذي قد يلاحق الضحية وأسرتها. 

بدأت قضية زكي بشهادة لطالبة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، اتهمته فيها بالاعتداء الجنسي عليها، ثم توالت الشهادات من طالبات أخريات، لكن الغريب أن شكاوى عديدة قُدمت سابقاً داخل الجامعة، ولم يجر التحقيق فيها بشكل جاد.

من جانبها، أصدرت الجامعة الأمريكية بياناً أكدت فيه أنها لا تتسامح مع التحرش الجنسي، لكنها أوضحت أن المتهم لم يعد طالباً لديها منذ 2018، دون تأكيد أو نفي مباشر للوقائع، في المقابل، أصدر ائتلاف حقوق الطلاب بالجامعة بياناً أكد فيه وجود شكاوى سابقة، وانتقد تجاهلها وحذف إحداها من منصة تقييم الأساتذة.

على الجانب الآخر، أعلنت كلية الاتحاد الأوروبي لإدارة الأعمال في برشلونة في بيان لها، أن المتهم كان مقيداً بها، وأنها فصلته بعد تلقي شكاوى من طلاب وطالبات تتهمه بالتحرش الإلكتروني، وتقدمت بدعوى جنائية إلى الشرطة الإسبانية لفتح تحقيق، وأوضحت الجامعة أن المتهم قضى فترة قصيرة داخل الحرم الجامعي قبل فصله.

مع انتشار الشهادات على مواقع التواصل، تزايد الضغط الشعبي، ما دفع المجلس القومي للمرأة في مصر إلى التقدم ببلاغ رسمي إلى النائب العام، استناداً لاختصاصه القانوني في تلقي شكاوى انتهاك حقوق المرأة، وأكد المجلس تلقيه بالفعل شكاوى من ضحايا تحدثن عن ابتزاز وتهديد باستخدام صور ومقاطع خاصة، وطالبن بحماية بياناتهن وحرمة حياتهن الخاصة، حتى يتمكنّ من التعاون مع جهات التحقيق دون خوف.

من جانبه، نفى المتهم جميع الاتهامات المنسوبة إليه على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرها اتهامات مرسلة من حسابات مجهولة، وطالب بمواجهته بمقدمي البلاغات، كما أشار محاموه إلى أن بعض الحسابات المتداولة قد تكون غير حقيقية.

وفي السياق ذاته، أعلنت الشركة التي كان يعمل بها والد المتهم قبول استقالته، في محاولة لرفع الحرج عنها وتجنب الإضرار بسمعتها.

ومن تبعات هذه القضية أنه تم تغليظ عقوبة التحرش الجنسي في قانون العقوبات المصري، بموجب  قانون (141) لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بقانون (58) لسنة 1937

وأيضاً التعديل الذي نصت عليه المادة الأولى من قانون رقم 185 لسنة 2023 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، حيث بات “يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد على مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أية وسيلة تقنية أخرى.

وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس سنوات ، وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحا أو إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجنى عليه.

وإذا توافر ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة الواردة بالفقرة الثانية من هذه المادة يكون الحد الأدنى لعقوبة الحبس أربع سنوات

وفي حالة العود تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى.

فإذا كان الجاني ممن نص عليهم في الفقرة الثانية من المادة (267) من هذا القانون أو ممن له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه، أو إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحا تكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا توافر ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة الواردة بهذه الفقرة تكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين أو أكثر أو إذا كان الجاني من أصول المجنى عليه أو من المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم سلطة عليه أو كان مسلما إليه بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائى أو كان خادما لدى الجاني، أما إذا اجتمع ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة السابقة يضاعف الحد الأدنى للعقوبة”.

أما في الجزائر فقد نصت المادة 331 مكرر من القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 على أنه “يُعد مرتكباً لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهرين (2) إلى سنة (1) وبغرامة من 50.000 دج إلى 100.000 دج، كل شخص يستغل سلطة وظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه أو بممارسة ضغوط عليه قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية” وأضافت المادة أنه “في حالة العود تضاعف العقوبة”.

لحظة الحكم على المتحرش أحمد بسام زكى بالسجن 8 سنوات

كلمة تحرش غير موجودة صراحة في معظم قوانين العقوبات العربية، وإنما تُستخدم عادة مفردات أخرى للتعبير عنه، منها المصطلح القانوني الفعل الفاضح المخل بالحياء.

فمثلاً في قطر، نجد أن قانون رقم (11) لسنة 2004 بإصدار قانون العقوبات قد بَيّن عقوبة الفعل الفاضح المخل بالحياء في المواد (290) و(291) و(292)، و(398).

الملفت أن الفعل الفاضح المخل بالحياء مفهوم ديني واجتماعي أوسع من مفهوم التحرش، فمثلاً، قد توافق امرأة على أن يقبلها زوجها في الطريق العام، ولا توجد عقوبة لهذا الفعل في مفهوم التحرش لأنه تم بموافقتها، لكنه فعل مُجَرم في مفهوم الفعل الفاضح المخل بالحياء.

كما أنه لا توجد عقوبة لمن سار في الشارع عارياً وفقاً لمفهوم التحرش، لكنه فعل مُجَرم وفقاً لمفهوم الفعل الفاضح المخل بالحياء.

الحياء في المجتمعات الإسلامية له مركزية إيمانية، فهو أحد شعب الإيمان، فقد أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال “الإِيمَانُ بضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ”.

وقد أخرج الطبراني في مجمع الزوائد، عن عمران بن الحصين، أنه قال “كان رسولُ اللهِ ﷺ أشدَّ حياءً من عذراءَ في خِدْرِها وكان إذا كرِه شيئًا عرَفْناه في وجهِه”. 

أما هتك عرض فهو لمس إحدى مناطق العورة لشخص دون موافقته، بينما تُسمى العملية الجنسية مواقعة، فإذا كانت بدون موافقة الضحية سُميت اغتصاباً.

وهناك تواجه لإدانة حتى الأزواج إذا مارسوا العلاقة الحميمة مع زوجاتهم دون موافقتهن، ويسمى هذا الفعل بالاغتصاب الزوجي.

اجتاح السوشيال ميديا فيديو لسيدة تتهم طليقها بالاغتصاب الزوجي..هفكر معاكم إزاي نثبته لإنه غير التحرش

في واحدة من أغرب جرائم التحرش في الولايات المتحدة، سلط الضوء مكتب المدعي العام الأميركي لمقاطعة ماساتشوستس  في بيان صحفي بعنوان مطارد إلكتروني متسلسل أرهب النساء لمدة 16 عاماً يُحكم عليه بالسجن تسع سنوات على المتهم جيمس فلورنس (37 عاماً)، الذي حكمت عليه المحكمة بالسجن تسع سنوات، إضافة إلى عشر سنوات إفراج تحت المراقبة.

وذلك بعد إدانته بإدارة حملة ملاحقة إلكترونية استمرت 16 عاماً، استهدفت أكثر من اثنتي عشرة امرأة يعرفهن شخصياً، من بينهن فتاتان كانتا قاصرتين عند بدء الاعتداءات.

القضية، التي امتدت وقائعها من عام 2008 حتى 2024، كشفت نموذجاً بالغ الخطورة من استغلال التكنولوجيا الحديثة لإيذاء الضحايا نفسياً واجتماعياً، عبر انتحال الهوية، والتشهير، والابتزاز الجنسي، وقد استخدم فلورنس أكثر من 60 حساباً إلكترونياً موزعة على قرابة 30 منصة رقمية، لاختراق حسابات ضحاياه وانتحال شخصياتهن بشكل متكرر.

ومن خلال هذه الحسابات، نشر آلاف الصور الجنسية الصريحة المزيفة لهن، بعضها معدل بالفوتوشوب وبعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، مرفقة بأسماء الضحايا وعناوين منازلهن الحقيقية ومعلوماتهن المهنية، وحث الغرباء على الاتصال بهن وإذلالهن وابتزازهن. 

وصفت المدعية العامة الأميركية لياه فولي ما حدث بأنه ليس سخرية على الإنترنت، بل تعذيب نفسي ممنهج طويل الأمد، غيّر حياة الضحايا وأثر في شعورهن بالأمان داخل المجتمع، وقد أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي أي) أن القضية تمثل مثالاً صارخاً على الملاحقة الإلكترونية المتسلسلة.

وقد كشفت ملفات المحكمة تفاصيل صادمة عن أساليب المتهم، منها إنشاء حسابات مُنتحِلة تبدو كأنها تدار من قبل الضحايا أنفسهن، ونشر صور صريحة لهن مع الإشارة إلى حساباتهن الحقيقية لزيادة الانتشار، إضافة إلى نشره وثائق شخصية لهن، مثل صور رخص القيادة وعناوين منازلهن، كما حاول بيع صور عارية مفبركة لضحاياه، ودفع غرباء إلى ابتزازهن بطلب محتوى جنسي حقيقي تحت التهديد.

وفي بعض الحالات، استخدم المتهم الذكاء الاصطناعي ببرمجة روبوتات محادثة تنتحل هوية الضحايا، تدخل في محادثات جنسية فاضحة مع غرباء، ولا يزال بعض الضحايا يتلقين رسائل تهديد ومضايقة من أشخاص مجهولين صادفوا المحتوى المنشور سابقاً.

وأظهرت التحقيقات أن المتهم استغل خبرته المهنية في تكنولوجيا المعلومات، وعمله السابق في مختبر تابع لمعهد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم أي تي)، بل وحصوله على تصريح أمني سري، وإخفاء هويته والتهرب من الملاحقة عبر تطبيقات (في بي إن).

في بيئة العمل، يكتسب مصطلح التحرش معنى أكثر تخصصاً، لأن بعض أنواعه تصبح ليست مجرد مضايقة بل تمييزاً مخالفاً للقانون، مثل التحرش القائم على الجنس أو العرق أو الدين.

تُعَرِّف هيئة تكافؤ فرص العمل الأمريكية إي إي أو سي التحرش في العمل بأنه سلوك غير مرحب به يعتمد على صفة محمية، مثل الجنس، ويصبح عملاً غير قانوني عندما يؤدي إلى بيئة عمل عدائية أو عندما يصبح شرطاً ضِمنياً أو صريحاً للاستمرار في العمل أو الحصول على مزايا وظيفية.

لهذا السبب نجد في سياق العمل مصطلح التحرش الجنسي واحداً من أشهر أنواع التحرش، وهو يضم نوعين مشهورين، النوع الأول يقوم على المساومة أو الابتزاز، من خلال ربط منفعة مهنية أو وظيفية مقابل سلوكيات جنسية ما، بينما يقوم النوع الثاني على خلق بيئة عدائية من خلال تكرار سلوكيات مُهينة، وعليه قد يقع التحرش دون أي تهديد بالعنف ودون لمس، ويستدعي قانونياً العقاب أو التعويض.

هنا، يجب أن نفرق بين ثلاثة أنواع متقاربة من الجرائم من الناحية القانونية، وهي التحرش والاعتداء والاعتداء البدني. 

مثال بسيط، موظف يكرر التعليق على جسد زميلته أو يرسل لها رسائل ذات إيحاءات جنسية رغم رفضها، أو مشرف يضايق موظفاً من خلال تعليقاته العنصرية أو الدينية على نحو يجعل بيئة العمل مهينة، هذا يعتبر تحرشاً.

أما الاعتداء فيختلف عن التحرش ولا يعني الاعتداء البدني نفسه، بل يعني التهديد أو الشروع في سلوك بدني لا تقبله الضحية، على نحو يجعلها تشعر بالخوف من ضرر وشيك.

فمثلاً،  يكفي في واقعة الاعتداء أن يقوم شخص بحركة أو تصرف يجعل الضحية تتوقع سلوكاً بدنياً غير مقبول بالنسبة لها على وشك أن يقع، لهذا السبب، لا يتطلب الاعتداء حدوث لمس فعلي، طالما أن سلوك المعتدي خلق خوفاً حقيقياً من ضرر فوري وكان لديه القدرة القريبة على تنفيذ التهديد.

فلو مثلاً رفع شخص قبضته ومشى باتجاهك بسرعة وهو يصرخ مهدداً بالضرب، مما ولد لديك خوفاً حقيقياً من ضربة وشيكة، لكنه توقف أو منعه شخص آخر قبل أن يلمسك، في هذه الحالة نكون بصدد جريمة اعتداء، لأن التهديد كان مباشراً ووشيكاً.

لكن إذا كان هذا السلوك مجرد تهديد بعيد في المستقبل بلا إمكانية قريبة للتنفيذ، فلا يرقى قانونياً في هذه الحالة إلى وصف اعتداء، بل يدخل ضمن مفهوم الابتزاز.

أما  الاعتداء البدني فهو أي لمس أو ضرب أو استخدام للقوة ضد شخص آخر دون إذنه أو رغم عنه، فجوهر الاعتداء البدني هو وجود تماس جسدي غير مسموح به، سواء كان ذلك التماس مؤذياً أو مهيناً، ولا يشترط أن يترك الضرب أثراً أو جرحاً خطيراً.

مثال ذلك، إذا قام شخص بدفعك بيده لإبعادك بالقوة، أو أمسك ذراعك رغما عنك، أو ضربك على وجهك، فهذا يدخل في مفهوم جريمة الاعتداء البدني، لأن هناك تماس جسدي غير مرغوب فيه.

ولفهم العلاقة بين التحرش والاعتداء والاعتداء البدني، يمكن تخيل سيناريو واحد تتدرج فيه الأفعال، مثل شخص يضايق زميلته في العمل برسائل وإيحاءات يومية، هذا يعتبر قانونياً تحرش، ثم في يوم من الأيام يقترب منها بعنف ويهددها ويرفع يده ليضربها، هذا يعتبر اعتداء، لأنه أدى إلى خوف فوري من ضرر وشيك، ثم يقوم بدفعها أو صفعها أو لمسها بالقوة، هنا وقع اعتداء بدني.

هذا المثال يوضح أن التحرش هو نمط من المضايقة، بينما الاعتداء هو تهديد وشيك قريب، في حين أن الاعتداء البدني هو اعتداء جسدي وقع بالفعل.

Rand Saad
Rand Saadhttp://www.qawl.com
لم تكن تدري أن فن العمارة سيفتح لها باباً آخر تصمم فيه مدخلاً لجمهور المنصات، ونافذةً للتفاعل والآراء، ومشربية تحد من الجهل، وقوس متكأ على أعمدة العلم والمعرفة، لتصبح حجر زاوية للجميع.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية