spot_imgspot_img
بيتتاريخنسج القوانين وتفصيلها على مقاسات عمر البشرية

نسج القوانين وتفصيلها على مقاسات عمر البشرية

تتصارع مصالح الناس منذ قديم الأزل ولا يقف حائلاً بين حدود مصالحهم إلا العنف أو القوة القهرية لسلطة عليا، قد تكون دينة من ضمير أو سلطة مجتمع من عرف، أو سلطة قانون، وبدون نظام من القواعد والمعايير التي تُطبق على الجميع دون تحيز يختلط الحابل بالنابل، ويسقط المجتمع في فوضى مدمرة نراها في ظروف الانفلات الأمني أو الحروب الأهلية.

تعريف القانون

الأصل اللغوي لكلمة قانون كما ورد في موقع المعاني هو الكلمة اليونانية كانون بمعنى مقياس كل شيء.

وقد اختلف المتخصصون في تعريفهم للقانون، فيرى وليم بلاكستون في كتابه تعليقات على قوانين إنجلترا (1765) أن “القانون، بمعناه الأكثر عمومية وشمولاً، يدل على قاعدة عمل؛ ويطبق بصورة عشوائية على جميع أنواع الأفعال، سواء كانت حيوية أو غير حيوية، عقلانية أو غير عقلانية، مثل: قوانين الحركة، الجاذبية، البصريات، أو الميكانيكا، وكذلك هي قوانين الطبيعة والأمم، فهي قاعدة العمل التي ينص عليها بعض المتفوقين التي يجب على المتدني إطاعتها”.

بينما يقول هيو إيفاندر ويليس في كتابه تعريف القانون – 1926 “القانون هو مخطط للرقابة الاجتماعية، تدعمه وتعاقب عليه سلطة الدولة، لحماية المصالح الاجتماعية، من خلال القدرات القانونية والإنصاف القانوني”.

لذلك يعتبر القانون قواعد عامة تنظم سلوك الأفراد وعلاقاتهم داخل المجتمع، ويترتب على مخالفتها وقوع الجزاء المناسب عليهم، ونحتاج إلى القانون في حياتنا، لأن الإنسان لا يعيش إلا في مجتمع يحيط به، والمجتمع لا يمكن أن يستقيم بغير نظام، وقواعد ملزمة، هذه القواعد هي القانون الذي يوجه سلوك الأفراد، ويحكم ما بينهم من علاقات، ويقضي على أي خلاف قد يقع بينهم.

وقد رافقت نشأة القوانين نشأة الإنسان وتطورت بتطوره في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية، فالنظم القانونية الحالية ما هي إلا تهذيب لنظم سابقة، ولا يمكن فهم النظم المعاصرة إلا بالرجوع إلى أصولها التاريخية.

اتجاهات الفكر القانوني

انقسم الفكر القانوني في تحديد نشأة القانون إلى اتجاهين؛ الاتجاه الأول اتجاه شكلي، يربط نشأة القانون بنشأة الدولة، فأنصار هذا الرأي يَرون أنه لا وجود للقانون بدون الدولة، فالدولة هي التي تصدر القوانين، وأن القواعد التي كانت موجودة في المجتمعات البدائية هي قواعد اجتماعية سبقت القواعد القانونية.

أما الاتجاه الثاني، فهو الاتجاه الموضوعي؛ ويرى أصحاب هذه الاتجاه أن القانون نشأ مستقلاً عن الدولة، وإنما كان مصاحباً لتطور المجتمع، بمعنى؛ أن القانون نشأ قبل نشأة الدولة على اعتبار أن القانون هو وليد الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى هذا الأساس الأخير نشأ القانون وتطور بتطور المجتمع، وقد تطور على مر العصور بالشكل الذي يتناسب مع كل عصر حيث مر منذ نشأته بعدة مراحل.

مراحل تطور القانون

مرحلة القوة في العصور البدائية؛ حيث لم يكن هناك قانون بالمعنى المعروف، وإنما كان يسود المجتمع تقاليد أو مجرد شعور بوجود حقوق وواجبات، وكانت تحدد هذه الحقوق والواجبات عن طريق القوة التي تحميها.

وقد كان الفرد داخل الجماعة يثأر لنفسه إذا ما وقع عليه أي اعتداء، وكان الفرد يلجأ للقوة من أجل الدفاع عن ماله أو عرضه فقد كانت القوة هي الوسيلة الوحيدة المتوفرة في ذلك الحين ، وذلك نظراً لعدم وجود سلطة.

ومع مرور الوقت بدأ الإنسان يتخلى عن مبدأ القوة ، فلجأ إلى وسائل بديلة مثل التحكيم للفصل بين المتنازعين، والتخلي عن الجاني من خلال تتخلى الجماعة عن وجوده وطرده بعيداً تأديباً له.

أما المرحلة الثانية من تطور القانون كما أشار إليها صاحب عبيد الفتلاوي في كتابه تأريخ القانون فهي مرحلة التقاليد الدينية ، فمع تقدم المجتمعات البشرية وهيمنة النظرة الدينية، ظهرت طبقة رجال الدين الذين لجأ الناس إليهم للاحتكام في منازعاتهم خوفاً من غضب الخالق، مما أكسب القانون صرامة مقدسة غير قابلة للتعديل.

بينما ذهبت المرحلة الثالثة من تطور القانون ونشأته نحو التقاليد العرفية، فمع تطور أساليب الحياة وضع الإنسان مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع، هذه القواعد ليست مستمدة من القواعد الدينية، ولكنها مستمدة من العادات والتقاليد التي تعارف عليها أفراد المجتمع.

والعرف يتألف من عنصرين، أحدهما مادي وهو التطبيق المستمر للقاعدة على أرض الواقع، والآخر معنوي يقوم على اعتقاد الناس بضرورة طاعة هذه القاعدة، لأنها مطابقة للعدل، فإذا تخلف العنصر المعنوي عن القاعدة أصبحت عادة، وإذا توافر هذا العنصر المعنوي أصبحت عرفاً.

أما المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل تطور القانون فهي مرحلة التدوين، فبعد اختراع الإنسان للكتابة بدأ في تدوين القواعد القانونية لنشرها بين الناس، وفي الوقت نفسه تم حفظها من الضياع والنسيان.

ومن المدونات القانونية في بلاد الشرق المدونات العراقية القديمة، مثل قانون أورنمو، وقانون عشتار، وقانون أشنونا، وشريعة حمورابي، وغيرها من القوانين الآشورية والبابلية.

ومن القوانين المصرية القديمة قوانين تحوت، وأوامر الملك مينا، وقانون الملك بوخوريس وهو من أشهر القوانين المصرية، وقد استمر العمل بهذا القانون حتى استيلاء روما على مصر.

ومن أشهر المدونات القانونية في بلاد الغرب، القوانين اليونانية، ومنها قوانين أثينا، ومن أهم قوانينها تشريعات دراكون، وصولون. وفي مدينة أسبرطة اليونانية ظهرت عدة قوانين، وقد اعتبر البعض أن قوة أسبرطة استمرت لمدة مائتي عام وذلك بفضل احترامها للقوانين، وفي روما ظهر قانون الألواح الاثنى عشر.

ويعتبر القانون الروماني من أشهر القوانين القديمة، نظراً لدقته، ووفرة وثائقه، وسهولة تتبع دراسته. ونظراً لذلك فمازال يدرس حالياً في معظم جامعات العالم.

وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في معظم أنحاء المعمورة ظهر التشريع الإسلامي، فلم يقتصر هذا الدين على العقيدة، والأخلاق، والعبادات، ولكنه اهتم ايضاً بالروابط الاجتماعية سواءً ما يتعلق منها بالأحوال الشخصية، أو بالمعاملات المالية، حيث تضمن قواعد خاصة بالزواج والطلاق والنسب والميراث والوصية وغيرها.

وقد أشار الفتلاوي في كتابه تأريخ القانون إلى أن هذه القواعد التشريعية انبثقت من مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم، والسنة النبوية، ثم جاءت مصادر أخرى كالإجماع والقياس. وبذلك وضعت الشريعة الإسلامية نظاماً قانونياً كاملاً يضاهي أقوى النظم القانونية في العالم بل ويفوقها.

كما عرض الكاتب محمد شعبان أيوب في مقاله أبو يوسف الأنصاري: أول قاضي قضاة في الإسلام في مجلة قول فصل كيف تطورت مؤسسة القضاء عبر التاريخ الإسلامي.

أما في العصر الحديث فقد تشعبت فروع القانون نتيجةً لتشعب العلاقات بين الأفراد وتطورها بصورة سريعة، وقد أدى هذا الاختلاف إلى ظهور عدة اتجاهات في القانون.

الاتجاهات القانونية

الاتجاه الانجلوسكسوني الذي يهتم بالنواحي الاقتصادية في علاقات الأفراد وهو مطبق حالياً في أمريكا، وكندا، وإنجلترا.

أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه اللاتيني؛ وهو يهتم بأطراف العلاقة التي يحكمها القانون. وهو مطبق حاليًا في فرنسا، وبلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا.

وجدير بالذكر أن القانون الفرنسي نفسه لعب الفقه الإسلامي دوراً في تشكيله، فقد ذكر المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب أن بونابرت عند عودته إلى فرنسا راجعاً من مصر سنة 1801، أخذ معه كتاب فقهي من مذهب الإمام مالك بن أنس اسمه شرح الدردير على مختصر خليل، لكاتبه أحمد الدردير المولود في 1715.

وحين وضع القانون المدني الفرنسي استقاه من أحكام الفقه الإسلامي وفقا لمذهب الإمام مالك بن أنس، وقد أشارات الموسوعة الرقمية العربية إلى أن بونابرت أمر بترجمة الفقه المالكي على الخصوص واختيار أحكام كثيرة في القانون المعروف بكود نابوليون الصادر في عام 1803.

بينما الاتجاه الثالث؛ فهو الاتجاه الإسلامي المطبق حالياً بشكل عام و جزئي في الدول الإسلامية.

تاريخ غير مروي للتحالف السري لنابليون مع الإسلام

وقد كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الرسمي للقانون المصري بوجه عام منذ الفتح الإسلامي إلى عهد الوالي محمد علي باشا (1805-1848م) حيث كانت تطبق على جميع الأشخاص وفي كل المسائل، ومنذ عهد محمد علي إلى عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879م) بدأ تغلغل القانون الفرنسي في مصر.

واستمر الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية حتى في مرحلة التنظيمات القانونية في الدولة العثمانية ولكن بإعادة صياغة هذه الأحكام بشكل أكثر حداثة وتنظيماً، وأهم القوانين التي استمدت أحكامها من الشريعة الإسلامية وقننت وفق أسلوب حديث هي مجلة الأحكام العدلية التي صدرت لأول مرة في عام 1876م.

ويشير الفتلاوي في كتابه تأريخ القانون أن مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الفقه الإسلامي ظلت مطبقة في العراق إلى أن صدر القانون المدني سنة 1945م الذي حل محل مجلة الأحكام العدلية اعتباراً من عام 1953م.

وقد عملت دول مجلس التعاون الخليجي على التقريب بين قوانينها في مختلف المجالات، حيث بدأت مسيرة التعاون العدلي والقانوني بينها في 1982م ،  فقد كلف الوزراء  لجنة من الخبراء المختصين لوضع مشروعات التقنين الموحدة في المجالات المدنية والأحوال الشخصية والتجارية والجزائية.

وقد اتفق الوزراء على مشروع مقدم من مملكة البحرين بإنشاء مركز للتحكيم التجاري، وتكليف لجنة من الخبراء المختصين لوضع أسس اتفاقيات بين دول المجلس لتنفيذ الأحكام.

ومن أهم الانجازات التي تمت في هذا الصدد توقيع اتفاقية تنفيذ الأحكام التي تم الاتفاق فيها على أنه في حالة صدور حكم قضائي في أي دولة من دول المجلس فإنه يعتبر كما لو أنه صدر في الدولة المطلوب منها التنفيذ من الدول الأعضاء، ويصبح الحكم القضائي واجب التنفيذ في الدول الأعضاء.

ومن أبرز إنجازات مجلس التعاون الخليجي أيضاً في مجال تطبيق القانون إصدار وثيقة مسقط للقانون الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي الذي يتناول هذا القانون الأمور المتعلقة بالأسرة والولاية والوصية والمواريث وغيرها.

ومن انجازات المجلس أيضاً إصدار وثيقة الكويت للقانون المدني الموحد لدول مجلس التعاون، ووثيقة الدوحة للقانون الجزائي، ووثيقة الرياض للقانون الموحد للإجراءات الجزائية، ووثيقة أبو ظبي للقانون الموحد، ووثيقة المنامة للقانون الموحد للمحاماة لدول مجلس التعاون الخليجي، ووثيقة مسقط للقانون الموحد للتسجيل العقاري العيني.

وقفات قانونية

بعيداً عن تاريخ القوانين وخلفياتها الفلسفية الرامية إلى الحفاظ على النظام من خلال عقوبات رادعة، يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا يترتب على مخالفة القانون جزاء، بينما لا يترتب على الالتزام به ثواب؟

فمثلاً لو تجنب المرء لفترة زمنية معقولة الوقوع في أي مخالفة مروية، لماذا لا يستحق محفزات على التزامه؟ مثل أن يكون تجديد رخصة السياقة في العام التالي مجاناً.

أيضاً نجد أن فلسلفة العقاب الموحد على المخالفة الواحدة تتناقض مع الاختلاف النسبي بين قدرات الناس، فلماذا يُلزم أصحاب الدخول المتدنية بدفع نفس قيمة الغرامة التي تُفرض على أصحاب الدخول المرتفعة؟

وهو ما أشار إليه الكاتب مايكل دي لامازا في مقال له بعنوان الغرامات المرورية في فنلندا  التي شرعت قنانوناً فريداً من نوعه عالمياً، فجعلت الحد الأدنى لغرامة تجاوز السرعة ما يعادل 20٪ من الدخل الشهري لمتجاوز السرعة المسموحة.

لا شك أن أحد أهم أهداف القانون العدل، لكنه مفهوم فلسفي عميق يحتاج إلى الكثير من الحكمة والخبرة بواقع الحياة وطبائع النفس البشرية وخلجاتها الخفية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رائع اختصرت تاريخ نشأة القانون بشكل موفق… اوجزت فانجزت فانصفت فاحسنت

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية