يتفاوت الإنسان في قدراته مع بقية المخلوقات، فمنها ما يتفوق عليه في السرعة مثل الفهد، ومنها ما يتفوق عليه في الرؤية مثل الصقر، ومنها ما يتفوق عليه في حاسة الشم مثل الكلب، ومنها ما يتفوق عليه في القوة مثل الفيل، ومنها ما يتفوق عليه في حاسة السمع مثل الوطواط، ومنها من يتفوق عليه في تحديد الاتجاهات مثل السمك، ومنها ما يتفوق عليه في العمل الجماعي مثل النمل.
ويشترك الإنسان مع سائر الكائنات في القدرة على التواصل وتبادل الخبرات بدرجة أو بأخرى، لكن يتميز عليها بحرية مطلقة تمكنه حتى من كبح احتياجاته الجسدية وغرائزه البيولوجية إذا قرر هذا.
هذه الحرية المطلقة ترتب عليها مفهوم الأهلية والمسؤولية، وهما مفهومان أصيلان في كل التشريعات القانونية والشرائع الدينية.
لذلك فإن أي صورة من صور الإجبار أو التهديد أو أي حالة يَغيب أو يُغَيّب فيها العقل تسقط معها بالتبعية المسؤولية والمحاسبة.
ومن الطبيعي أن تتشابه أو تختلف الأديان حول بعض القضايا، فكل منها له رؤيته الخاصة عن الخالق والكون والحياة والموت.
ومن البديهي أن يقع صدام بين أتباع الأديان المختلفة، لكنه لا ينبغي أن يشذ عن إطار النقد والحجة.
لذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُجبر أحد على اعتناق دين أو مذهب معين، فجوهر الإيمان ببساطة هو القناعة الطوعية برؤية ما، وأي إجبار لن يؤدي إلا إلى العنف أو النفاق، وأي دعوة دينية هذه التي يمكن أن تبحث عن أتباع من المنافقين؟
وقد شهد عام 2019 تخصيص الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد، وذلك من خلال قرارها رقم 73/296، ليُحتفل به سنوياً في 22 أغسطس، بهدف تكريم الضحايا والناجين من العنف القائم على الدين أو المعتقد، وتعزيز فهم أعمق لأهمية حماية حرية الاعتقاد على مستوى العالم.
فالعنف القائم على الدين أو المعتقد هو قضية عالمية تؤثر على الأفراد والمجتمعات في جميع أنحاء العالم، حيث يتعرض الكثيرون للعنف والتمييز بسبب معتقداتهم الدينية، وهو ما يتراوح بين التمييز والمضايقات، مروراً بالعنف الجسدي والضغوطات القسرية، بل وحتى الإبادة الجماعية.
وتكمن أهمية هذا اليوم في التركيز على الضحايا والناجين، والاعتراف بالأثر العميق للعنف القائم على الدين أو المعتقد على الأفراد والمجتمعات، كما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لمعالجة الأسباب الجذرية لهذا العنف وتعزيز التسامح والتفاهم واحترام التنوع.
أهداف اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد
من أهم أهداف اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد زيادة الوعي العالمي بمدى انتشار وتأثير العنف القائم على الدين أو المعتقد، وهو ما يشمل تسليط الضوء على حالات محددة من العنف والتمييز التي تواجهها المجتمعات الدينية المختلفة حول العالم.
وكذلك تكريم أولئك الذين عانوا بسبب العنف القائم على الدين أو المعتقد، يشمل ذلك الاعتراف بآلامهم ودعم حقوقهم في العدالة والتعويض.
كما يشدد الاحتفال بهذا اليوم على أهمية حماية وتعزيز حرية الدين أو المعتقد كحق إنساني أساسي، ويحث على تنفيذ الأطر القانونية والسياسية التي تحمي هذا الحق.
ويُعدُّ هذا اليوم دعوة إلى لحكومات والمنظمات المدنية والمجتمعات الدينية والأفراد لاتخاذ خطوات ملموسة لمنع ومعالجة العنف القائم على الدين أو المعتقد، ومنها تبني تدابير عملية لمكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز الحوار بين الأديان، ودعم الضحايا والناجين.

التحديات القائمة
العنف القائم على الدين أو المعتقد هو ظاهرة عالمية تؤثر على الأفراد والمجتمعات عبر مناطق وديانات مختلفة، ففي السنوات الأخيرة، كانت هناك العديد من الحالات البارزة من هذا العنف، بما في ذلك الهجمات على أماكن العبادة، واضطهاد الأقليات الدينية، والتمييز الواسع الانتشار.
ومن ضمن التحديات الرئيسية في معالجة العنف القائم على الدين أو المعتقد تقاطع أشكال مختلفة من التمييز، فغالباً ما يكون التمييز الديني متشابكاً مع أشكال أخرى من التحيز مثل العنصرية وكراهية الأجانب والعنف القائم ضد مستويات اجتماعية معينة، لذلك تتطلب هذه التعقيدات نهجاً شاملاً، يتميز بتعدد الأوجه لمعالجة العنف القائم على الدين أو المعتقد بفعالية والحد منه.
دور الأمم المتحدة
تلعب الأمم المتحدة دوراً مهماً في الدعوة إلى حماية الحرية الدينية وفي مكافحة العنف القائم على الدين أو المعتقد، حيث تشارك عدة هيئات ووكالات تابعة للأمم المتحدة في هذه الجهود، منها: مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الذي يعمل على تعزيز وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية الدين أو المعتقد، حيث يقوم المكتب برصد حالات العنف القائم على الدين أو المعتقد والإبلاغ عنها، وتقديم الدعم الفني للدول حول تنفيذ معايير حقوق الإنسان.
ويُعتبر المقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد خبيراً مستقلاً يعينه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لدراسة وتقديم تقارير عن القضايا المتعلقة بحرية الدين أو المعتقد، ويجري المقرر الخاص زيارات إلى الدول، ويتفاعل مع الأطراف المعنية، ويقدم توصيات لتعزيز حماية الحرية الدينية.
من جانب آخر، يعزز تحالف الأمم المتحدة للحضارات الحوار والتعاون بين الثقافات والأديان المختلفة، وينفذ مبادرات لتعزيز الاحترام والفهم المتبادل، مما يساهم في منع العنف القائم على الدين أو المعتقد.
كما تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على تعزيز التعليم من أجل التسامح واحترام التنوع، وتهدف مبادراتها إلى مكافحة خطاب الكراهية والتطرف، التي تعتبر غالباً مقدمة للعنف القائم على الدين أو المعتقد.
الأنشطة التذكارية
تشمل الأنشطة التي يتم تنظيمها للاحتفال باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد: حفلات تأبينية وفعاليات تذكارية لتكريم ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد، وتشمل غالباً مشاركة القادة الدينيين والمسؤولين الحكوميين وممثلي المجتمع المدني.
كما تنظم حملات التوعية العامة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فعاليات عامة لتسليط الضوء على قضية العنف القائم على الدين أو المعتقد وتعزيز التسامح واحترام التنوع.
من جانبها تعزز البرامج التعليمية وورش العمل والندوات والمؤتمرات فهماً أعمق لأسباب ونتائج العنف القائم على الدين أو المعتقد، وتهدف إلى تزويد الأفراد بالمعرفة والمهارات اللازمة لمواجهة هذا العنف.
ومن الضروري تشجيع الحوار بين المجتمعات الدينية المختلفة لتعزيز الفهم المتبادل والتعاون، فهي تساعد على بناء الجسور وتقليل التوتر بين المجتمعات.
كذلك تُبذل جهود لحث الحكومات والمنظمات الدولية على اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الحرية الدينية ودعم ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد، ويشمل ذلك الضغط من أجل تبني وتنفيذ القوانين والسياسات ذات الصلة.
التحديات المستقبلية
على الرغم من الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى، لا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه حماية الحرية الدينية ومنع العنف القائم على الدين أو المعتقد، ومن بين هذه التحديات: التطرف الديني الذي يمثل تحدياً كبيراً، حيث يمكن أن يؤدي إلى العنف والتمييز ضد الآخرين، وهو ما يتطلب مكافحته من خلال جهود منسقة تشمل التعليم والحوار بين الأديان والمجتمعات المحلية.
كما لا تزال التشريعات في كثير من الدول غير كافية لحماية الحرية الدينية ومنع العنف القائم على الدين أو المعتقد، لذلك يحتاج المجتمع الدولي إلى العمل مع الحكومات لتعزيز الإطار القانوني وضمان تنفيذه بشكل فعال.
أما خطاب الكراهية فمازال بلا ريب يشكل تحدياً كبيراً، نظراً لأنه يؤجج العنف ويزيد من التوترات بين المجتمعات، لذلك تتطلب مكافحة خطاب الكراهية جهوداً منسقة تشمل وسائل الإعلام والتعليم والسياسات العامة.
ولا يمكن أن نغفل ظاهرتي الهجرة واللجوء وما يترتب عليهما من تعقيد قضايا الحرية الدينية، فالمجتمعات النازحة تواجه تحديات كبيرة في التكيف مع المجتمعات المضيفة واحترام حريتها الدينية، وهو ما يتطلب جهوداً منسقة.
ويلعب المجتمع المدني دوراً حيوياً في تعزيز وحماية الحرية الدينية ومنع العنف القائم على الدين أو المعتقد، ومن ذلك: مفهوم الدعوة والمناصرة، حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية وجماعات المجتمع المدني العمل على زيادة الوعي بقضايا العنف الديني والدعوة إلى تبني سياسات وقوانين تحمي الحرية الدينية.
كذلك يمكن للمجتمع المدني تنظيم برامج تعليمية وتوعوية لتعزيز التسامح واحترام التنوع الديني، وتشمل هذه البرامج ورش العمل، والندوات، وحملات التوعية العامة.
ويجب على منظمات المجتمع المدني تقديم الدعم للضحايا والناجين من العنف القائم على الدين أو المعتقد، من خلال الدعم القانوني والنفسي والإنساني.
وينبغي عليها كذلك تعزيز الحوار بين الأديان ومد الجسور بين المجتمعات الدينية المختلفة.
إن اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد يعتبر تذكيراً مؤثراً بشتى مختلف التحديات المستمرة التي يواجهها الأفراد.

الإسلاموفوبيا
تناقش الوثيقة التي تحمل عنوان خبراء الأمم المتحدة يحذرون من ارتفاع الإسلاموفوبيا إلى مستويات مقلقة المستويات المتزايدة من الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء العالم، خاصة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من الأعمال الإرهابية المرتبطة بالإسلام، إذ أن هناك ارتفاعاً كبيراً في الشكوك المؤسسية والتمييز ضد المسلمين.
وقد سلط المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد، أحمد شهيد، الضوء على كيفية استهداف التدابير الأمنية بشكل غير متناسب للمسلمين، ووصفهم بأنهم أفراد معرضون لخطر كبير، وقد أدى ذلك إلى انتشار التمييز والعداء والعنف ضد المجتمعات المسلمة.
كما يؤكد التقرير على الصورة السلبية للإسلام في وسائل الإعلام والخطاب السياسي، مما يعزز القوالب النمطية الضارة ويغذي كراهية الإسلام، وفي عدة مناطق، تصاعدت حوادث خطاب الكراهية ضد المسلمين، والاعتداءات الجسدية على المساجد، والسياسات التمييزية.
موقف الإسلام من حرية المعتقد
يؤكد الإسلام في مواضع عديدة على حرية الإنسان، فبدونها لا معنى للحساب، ولا مبرر لثواب أو العقاب، يقول الله تعالى في سورة الإنسان “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا”.
ويؤكد على عدم جواز الإكراه في المعتقد، فكل إنسان حر ومسؤول عن خياراته، فيقول تعالى في سورة البقرة ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
ويوضح أن الهدف من الرسول ومن الداعية هو فقط تبليغ رسالة الله بشكل واضح للعالمين، فيقول في سورة النور “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ”، ويقول في سورة الأعراف “قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”.
ويوضح أن إيمان الإنسان أو كفره لا يخرجان عن إرادة الله، فهو الذي منح الإنسان حرية الاختيار، فيقول في سورة يونس “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”.
حكم الردة في الإسلام
أطلع اللهُ رسولهَ ﷺ على أشخاص المنافقين بأعينهم، لكنه لم يقاتلهم رغم علمه بأنهم منافقون، وتذكر السيرة لنا قصة إرتداد عبيد الله بن جحش عن الإسلام وتنصره في الحبشة، ورغم علم رسول الله ﷺ بردته، إلا أنه لم يفعل له شيئاً.
ويذهب بعض علماء الإسلام إلى أن المرتد في الإسلام لا يُقتل، إلا إذا تحول إلى محارب ضد المسلمين.
استناداً إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب “لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا”.
إن العنف ضد المختلف دينياً يدخل الطرفين في حلقة شيطانية من العنف والعنف المضاد، ورغم أن التعايش السلمي بين البشر هو الخيار العقلاني الوحيد، لكن الأفكار المتطرفة هي السبب الحقيقي وراء هذا السلوك العدواني، ولا مفر من مجابهتها بالفكر المستنير.





[…] الكاتبة رند سعد في مقالها إحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على الدين أو المعتقد – 22 … أن تلفت الانتباه إلى توجهات اليمين المتطرف في الأديان […]
I am glad to be a visitant of this stark weblog! , appreciate it for this rare information! .