spot_imgspot_img
بيتأيام عالميةاليوم الدولي لمحو الأمية - 8 سبتمبر

اليوم الدولي لمحو الأمية – 8 سبتمبر

تعتبر المعرفة ركيزة ومورداً اقتصادياً واستراتيجياً، إذ أن حصيلة المهارات والإمكانيات منها تساهم في توفير الرخاء وتحسين مستوى المعيشة ورفاهية الحياة، والأهم أن الأمم تعي أن المعرفة تساهم بشكل رئيسي في رفع مستوى الإنتاج كماً وكيفاً لتجعلها متفوقة ومتقدمة.

فقامت الدول بتفعيل ما يعرف بالاقتصاد المعرفي الذي يعزز للابتكار وانتشار العلوم ويحقق التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية المرجوة.

ولحسن الحظ ساهمت التكنولوجيا في تسهيل كسب المعرفة وانتشارها، حيث حصل ذلك مع تطور نظم الاتصالات وتطبيقاتها، وانتشارها بشكل واسع، متجاهلةً الحدود الجغرافية وبعد المسافات.

من جهة أخرى تبرز الأمية كمشكلة اجتماعية تنموية خطيرة وعائقاً أمام نهضة الشعوب وتقدمها، ويقول الدكتور سيد عاشور في كتابه الأمية والمواجهة العلمية (2016) إن “ما لا شك فيه أن الفرد الذي لا يعرف الحد الأدنى لوسائل المعرفة وهي القراءة والكتابة والحساب ولا يستطيع استخدامها، إنما يعد فاقداً لحاسة من حواسه”.

إن وصف عاشور للفرد الأمي دقيق، لأن ذلك بطبيعة الحال سيعوق التواصل مع من حوله من الناس والمجتمع، وسيعرقل بالتأكيد خطط واستراتيجيات التقدم والتنمية والازدهار.

يضيف عاشور أن التغلب على مشكلة الأمية يشكل “الأداة المفتاحية لحل كثير من المشاكل الاجتماعية العالقة في البلدان النامية كالفقر والبطالة وارتفاع معدلات الإجهاض ووفيات الأطفال وانتشار الجريمة والعنف وغيرها.”

ولهذا السبب نرى أن هناك سعياً حثيثاً على مستوى الأفراد والجماعات، وحتى الأمم المتحدة للتغلب على الأمية ومحوها، وتشجيع الدول على تبني برامج لتعليم الكبار العلوم الأساسية والعامة والجامعية، وابتكار وسائل للقضاء على هذه الآفة لتحقيق التنمية الشاملة.

اليوم الدولي لمحو الأمية

وفقاً لتقرير خاص باليونسكو المنشور بعنوان الأمية 1965-1967 أنه في عام 1966 انعقد مؤتمر وزراء التربية بشأن القضاء على الأمية في طهران، باستضافة شاه إيران.

شارك في المؤتمر ممثلون عن 88 دولة، حيث أدانوا وجود أكثر من مليار شخص أمي أو شبه أمي، وشددوا على ضرورة التعاون العالمي لمكافحة هذه المشكلة.

سلط المؤتمر الضوء على التناقض الصارخ بين التقدم العلمي والتكنولوجي والواقع المؤلم، حيث أن 40% من سكان العالم غير قادرين على المشاركة في هذا التقدم بسبب الأمية، كما أبرز المؤتمر الفجوة بين الدول التي يتمتع فيها الشباب بفرص تعليم عالٍ واسعة وتلك التي تعاني من نسب أمية مرتفعة.

بعد مؤتمر طهران، شرعت الدول الأعضاء في اليونسكو والمنظمات الدولية في جهود منسقة للقضاء على الأمية، واتفقت على أن يكون 8 سبتمبر هو اليوم الدولي لمحو الأمية، وليكون هذا اليوم فرصة لقياس التقدم المحرز، قامت العديد من الدول بدمج برامج محو الأمية في خطط التنمية التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، مما يقاوم مفهوم “الأمية الوظيفية” كعامل مثبط للإنتاج، بدلاً من الذهاب إلى العمل دون أي فائدة مضافة للمجتمع.

احصائيات

رغم ارتفاع معدلات محو الأمية على مدى الخمسين عاماً الماضية، لا يزال هناك 754 مليون بالغ أمي حول العالم، معظمهم من النساء، مما يبرز التحدي في تحقيق الهدف الذي يسعى لضمان اكتساب جميع الشباب ومعظم البالغين مهارات القراءة والكتابة على مستوى العالم بحلول عام 2030.

مجموعة البنك الدولي (2022)

تظهر البيانات المنشورة في مجموعة البنك الدولي تحت عنوان معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر في الدول العربية لعام 2022 الفوارق بين الدول ذات الأداء الجيد وتلك التي لا تزال تواجه تحديات كبيرة في مجال التعليم، وتؤكد على الحاجة إلى تدخلات موجهة في المناطق الأقل أداءً لتحسين مستويات الإلمام بين البالغين.

فبعض الدول بها معدلات إلمام مرتفعة مثل البحرين، والأردن، وعُمَان، وقطر، والسعودية، والإمارات، وفلسطين، حيث تسجل معدلات مرتفعة جداً تصل إلى (98% أو أكثر)، مما يدل على أنها أنظمة تعليمية قوية وبرامج فعالة لمحو الأمية.

وفي بعض الدول تبدو معدلات الإلمام متوسطة، كما في الجزائر (81%)، ومصر (75%)، والعراق (86%)، ولبنان (87%)، وليبيا (77%)، والمغرب (77%)، وتونس (81%)، مما يعكس مستوى عاماً من الإلمام بالقراءة والكتابة بين البالغين، مع إمكانية للتحسين.

أما معدلات الإلمام المنخفضة فنجدها في الصومال (41%)، واليمن (54%)، والسودان (61%) بشكل ملحوظ، مما يبرز التحديات الكبيرة في الوصول إلى التعليم وجودته، وغالباً ما يكون ذلك نتيجة للصراعات والفقر ونقص الموارد.

مازالت بعض الدول تعاني من معدلات أمية عالية وذلك بسبب ما تواجهه من تحديات اقتصادية وسياسية، مما ينعكس سلباً على أنظمتها التعليمية وتدهور جودة التعليم فيها، خاصةً تلك التي تواجه نزاعات، مثل اليمن والصومال والسودان، فالحروب المستمرة وعدم الاستقرار تؤدي إلى تدمير المدارس ونزوح المعلمين وعدم قدرة الطلاب على الالتحاق بالفصول الدراسية بأمان.

في حال أن معدل الأمية بين الفلسطينيين منخفض جداً، ويجب أخذ هذه الحالة بعين الاعتبار والاستفادة منها في باقي الدول التي تعاني من نفس الأوضاع، وتبين توجان فيصل في مقال لها على جريدة الراية أن لدى الفلسطينيين دافعية متشكلة عند شعب ذي قضية، أدت إلى أن يصبح “التعليم جزءاً من النضال أقرب للفرض العين منه للفرض الكفاية، وأنتجت شعباً بأدنى نسبة من أمية النساء رغم الاحتلال ورغم الحصار ورغم تراجع خدمات وكالة الغوث.”

وتضيف فيصل أنه “إلى جانب معلمي ومعلمات وإداريي مدارس الوكالة وقف جسم تطوعي من نساء ورجال فلسطينيين ساهموا في تقديم خدمات تعليمية وثقافية عديدة مزجت فيها حاجات المجتمع المعيشية الصرفة بحاجاته التربوية والفكرية، بحيث عززت تلك الدافعية وعمقتها في بنية المجتمع المحلي الجديد الناشئ في ظروف ارتجالية أبعد ما تكون عن الإيجابية.”

حق التعليم

تنص المواثيق الإقليمية والدولية على أن لكل شخص الحق في التعليم، فمثلاً الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمد في القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس عام 2004، يؤكد في مادته 41 على حق التعليم والسعي لمحو الأمية.

وتنص المادة نفسها كذلك أن على جميع الدول الأطراف السعي لضمان “مجانية التعليم على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ويكون التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً بمختلف مراحله وأوضاعه للجميع من دون تمييز”، وأن عليهم توفير “تعليم يستهدف التنمية الكاملة لشخصية الإنسان”، ووضع “الآليات الكفيلة بتحقيق التعلم المستمر مدى الحياة لكل المواطنين ووضع خطة وطنية لتعليم الكبار.”

ونجد تشابهاً بين نصوص الميثاق العربي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الخاص بالأمم المتحدة في المادة 26 التي تنص على حق الأشخاص في التعليم ومجانيته، بينما يضيف الإعلان وجوب إتاحة “التعليم التقني والمهني بشكل عام، وأن يكون التعليم العالي متاحاً للجميع بالتساوي على أساس الجدارة.”

فالأمم المتحدة تؤمن بأن التعليم جزء لا يتجزأ من التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، فمن دونه لن يكون هناك احترام لحقوقه أو للحريات الأساسية، فهو يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم والجماعات العرقية والدينية، ويدعم الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لصون السلام.

فالأمم المتحدة ترى أن التعليم وسيلة لتحقيق السلام الذي يسوده “احترام المساواة وعدم التمييز وسيادة القانون والتضامن والعدالة والتنوع والتسامح، فضلاً عن تكوين علاقات قوامها الوئام مع النفس ومع الآخرين ومع الكوكب” كما هو منشور في صفحتهم الخاصة باليوم الدولي لمحو الأمية.

ويجب على جميع المجتمعات إدراك ما يترتب على مشكلة الأمية من تداعيات، فهي عائق كبير في طريق تحقيق التنمية وإحداث التماسك الاجتماعي بين الأفراد، فالأمية لا تقبل التطور ولا تسمح بمشاركة الجنسين في خدمة المجتمع، والأمر الأدهى والأمّر أن الأمي أسهل في الوقوع فريسة لأي دعاية مغرضة أو إشاعة كاذبة، أما المتعلم فهو أقدر على التمييز بين الصواب والخطأ.

اليوم الدولي لمحو الأمية لعام 2024

يتناول اليوم الدولي لمحو الأمية لعام 2024 موضوع “تعزيز التعليم المتعدد اللغات: محو الأمية من أجل التفاهم المتبادل والسلام”، مؤكداً على فاعلية اعتماد نهج تعدد اللغات في تطوير التعليم وتنمية مهارات القراءة والكتابة، مشيرين إلى أن لذلك فوائد إدراكية واجتماعية واقتصادية، إضافة إلى أن هذا النهج قد يعزز التفاهم والاحترام المتبادلين ويرسخ الهويات المجتمعية.

يشير الدكتور أحمد نزاري، مدير مركز اللغات التابع لمعهد دراسات الترجمة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة حمد بن خليفة، إلى أنه كان هناك اعتقاد بأن تعلم لغة ثانية قد يعيق اكتساب اللغة الأم، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن تعلم لغات متعددة يعزز النمو المعرفي والاجتماعي والنفسي والثقافي.

وأشارت نزاري إلى دراسات تؤكد على أن البشر يمتلكون بالفطرة القدرة على تعلم اللغات، وأن هذه المهارة تساعد في تعلم لغات إضافية من خلال الاعتماد على مخزون لغوي شامل، وتؤكد نظرية التعدد اللغوي على أن اللغات يمكن أن تدعم بعضها البعض، وأن المعرفة اللغوية السابقة تعتبر ميزة تساهم في تعلم لغات جديدة بكفاءة أكبر.

ويضيف نزاري إلى أن الأبحاث أثبتت أن ثنائية اللغة تعزز القدرات الإدراكية والوعي الثقافي، مثل حل المشكلات والتركيز والمرونة العقلية، بالإضافة إلى الفوائد الشخصية التي تساهم في تحسين فرص العمل والتواصل بين الثقافات، إضافة إلى تعزيز الروابط الأسرية والشعور بالهوية والانتماء، مما يساهم في تحقيق فوائد مجتمعية أوسع.

لذلك، يعد تعلم لغات متعددة اليوم معياراً عالمياً، وهو أمر ينبغي تشجيعه بين الأجيال الشابة لتحسين المهارات الشخصية والمجتمعية.

تشير ثقافة محو الأمية إلى بيئة داعمة تُشجع على القراءة والكتابة من خلال التدريب على المهارات اللازمة واستخدام المعلومات في الحياة اليومية، وهذه الثقافة تعزز مهارات الإلمام بالقراءة والكتابة التي يتم تعلمها ليس فقط من خلال التعليم الرسمي، ولكن أيضًا في بيئات العمل، والأسر، والمجتمعات، والشوارع.

كما تتضمن هذه الثقافة الاستثمار في السياسات والتدريب وتطوير مواد تعليمية تلائم الخلفيات الثقافية واللغوية للمجتمع، فعلى الجميع السعي لتعزيز ثقافة محو الأمية، من خلال إتاحة المواد اللازمة، والتشجيع على امتلاك الناس للكتب، وإنشاء برامج تشجع على القراءة والكتابة لدى الأطفال وكبار السن، والترويج المستمر لهذه الثقافة.

لدى المكتبات القدرة على أن  تلعب دوراً محورياً في دعم محو الأمية، حيث تسهم في توفير المواد والتدريب اللازمة وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، ويُمكن استخدام التسويق لتشجيع الناس على القراءة وجعلها جزءاً من حياتهم، وإتاحة الفرص لتبادل تجارب القراءة، ودعمها كنشاط إبداعي.

Rand Saad
Rand Saadhttp://www.qawl.com
لم تكن تدري أن فن العمارة سيفتح لها باباً آخر تصمم فيه مدخلاً لجمهور المنصات، ونافذةً للتفاعل والآراء، ومشربية تحد من الجهل، وقوس متكأ على أعمدة العلم والمعرفة، لتصبح حجر زاوية للجميع.
مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية