من أهم حقوق الإنسان، حق العلاج دون مقابل، لأن حياة الإنسان لا يمكن أخلاقياً أن تكون عرضة للمساومة، لكن المعضلة التي أرّقت الشرق والغرب، كيف يمكن التوفيق بين حق المريض في العلاج مجاناً وحق الكوادر الطبية والمؤسسات الصحية في تغطية نفقاتها واحتياجاتها؟
سلكت الدول ذات المرجعية الاشتراكية طريق إلزام خزينة الدولة ومؤسسات التأمين الإلزامي التعاوني بتحمل نفقات الرعاية الصحية، فكانت النتيجة إرهاق ميزانية الدولة، وتكدس طوابير طويلة من الانتظار يقف فيها المريض قبل أن تُشخص حالته ويحصل على العلاج اللازم، بل أحياناً وصل الأمر إلى تدهور حالته ووفاته قبل أن يُكشف عليه.
وتُعدّ كندا رغم تقدمها العلمي عالمياً من الأمثلة الصارخة على طول فترات انتظار المريض لتلقي الرعاية الصحية، وذلك على الرغم من تعددها الصغير نسبياً الذي لا يتجاوز 42 مليون نسمة فقط.
نشر معهد فريزر الكندي تقريراً اعتمد على استبيان شمل أكثر من 1900 ردّ من أطباء في 12 تخصصاً عبر 10 مقاطعات، ونُشر في 12 ديسمبر 2024، توصل فيه إلى أن مُدد انتظار المرضى تباينت حسب التخصصات والمقاطعات، لتصل في المتوسط لأكثر من سنة في بعض الحالات، وكانت مدة الانتظار الأطول في تخصص جراحة العظام بمتوسط 57.5 أسبوعاً، وجراحة الأعصاب بمتوسط 46.2 أسبوعاً، أما المدة الأقصر فكانت في تخصص علاج الأورام الإشعاعي بمتوسط 4.5 أسابيع، وقد سجّلت مقاطعة أونتاريو أقصر انتظار إجمالي بمتوسط 23.6 أسبوعاً.
أما الدول ذات المرجعية الرأسمالية، فقد فتحت الباب على مصرعيه أمام شركات التأمين الصحي الخاصة، لتتاجر مع المؤسسات الصحية والأطباء والممرضين بعذبات المرضى وآلامهم، فمن يملك المال يُعالج، ومن لا يملكه تتراكم عليه الديون في حال إذا ما تلقى رعاية صحية أصلاً، أو قد يُترك لمصيره على أبواب المستشفيات دون علاج.
ناهيك عن توثيق حالات فساد مالي في بعض شركات التأمين الصحي الخاصة في عدد من الدول الغربية، منها على سبيل المثال، ما أورده تقرير لمجلة دير شبيغل الألمانية جاء فيه أن شركة التأمين الصحي الخاصة ديبيكا دفعت غرامة قدرها 1.3 مليون يورو في ما عُرف بفضيحة البيانات، بعدما خلص مفوّض حماية البيانات في مقاطعة راينلاند-بفالتس إلى وجود خروقات لقواعد حماية البيانات في أساليب التسويق واستقطاب العملاء.
بين التقرير أن الفساد دفع موظفون لدى شركة ديبيكا أموالاً لموظفين في القطاع العام للحصول على بيانات وعناوين مرشحين للخدمة الحكومية بغرض استهدافهم بعقود التأمين الخاصة المربحة، ورغم تسديد الغرامة، أكّد التقرير أن القضية لم تُغلق جنائياً، فالنيابة العامة في مدينة كوبلنز واصلت التحقيق في شبهات الرشوة والتحريض على انتهاك سرّية الوظيفة ومخالفات حماية البيانات بحق موظفين في الشركة والقطاع العام.
في مقابل النظم الاشتراكية والرأسمالية تمكن نظام الأوقاف الإسلامية قبل عشرة قرون من حل معضلة توفير العلاج المجاني دون الحاجة لنظم تأمينات صحية جشعة، وفي الوقت نفسه دون إرهاق ميزانية الدولة، وذلك من خلال التجارة مع الله.
الفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد، خلاصتها أن أي مسلم يستطيع وقف أي أصل من أصوله التي يملكها لله تعالى، طمعاً في عفوه ورضاه في الآخرة، وهذه الأصول، مثل الأراضي، أو الأسواقاً، أو الحوانيت، أو الحمامات العامة، أو البساتين التي يجعلها المسلمون وقفاً لله تدر دخلاً دورياً يُنفق منه على مستشفيات مجانية أو شبه مجانية، وتُغطى بذلك رواتب الكوادر الطبية والتشغيلية، ونفقات أدوية المرضى، وتكاليف صيانة المباني، دون ذرة طمع دنيوي، أو صراع طبقي.
وقد شكّلت أوقاف المستشفيات في الحضارة الإسلامية نموذجاً مبكراً وفعّالاً لتمويل الرعاية الصحية الشاملة والمستدامة، جمع بين الكفاءة المؤسسية والعدالة الاجتماعية، وترك بصمته على تطوّر الطب وتنظيمه حتى الأزمنة الحديثة، وكانت بذلك منظومة البيمارستانات أو دور الشفاء العثماني واحدة من أقدم نماذج التمويل الاجتماعي للرعاية الصحية في التاريخ.
وظهر مبكراً البيمارستان العَضُدي في بغداد في القرن العاشر ممولاً بالأوقاف، ثم البيمارستان النُّوري في دمشق في القرن الثاني عشر، وفي مصر المملوكية بلغ النموذج ذروته مع مجمع قلاوون الطبي في القاهرة في القرن الثالث عشر بأوقاف ضخمة ضمنت مجانية العلاج وتنوّع الأقسام، وفي الأناضول والبلقان ازدهرت الدَّرُوشِّفَا العثمانية، مثل سِواس ودِويريغي في القرن الثالث عشر، ودار الشفاء السلطان بايزيد الثاني في أدرنة في الخامس عشر الميلادي، وفي المغرب والأندلس وُجدت أوقاف المَارِسْتانات التي جمعت العلاج والإيواء والتعليم بدرجات متفاوتة.

لكن بداية من العصور الحديثة المتأخرة، عانت كثير من الأوقاف الإسلامية إبّان الاحتلال الغربي لكثير من دول العالم الإسلامي من الإنهاك المالي، أو سوء الإدارة، أو المصادرة، أو الإلحاق الإداري، مما أدى في بداية القرن العشرين إلىتقويض الأوقاف الإسلامية وإدخال أنظمة صحية غربية بموازنات عامة وتأمينات اجتماعية.
لكن بعد هذا التردي ذي الصبغة الغربية، ظهرت مؤخراً دعاوى متزايدة في العالم الإسلامي تطالب بإعادة تفعيل نظام الأوقاف الإسلامية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، وقد تناولها بشيء من التفصيل أحمد عقب الباب في مقال له في مجلة قول فصل بعنوان الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر.
وبالعودة إلى منتصف القرن الثامن عشر، فقد غيرت الثورة الصناعية من حجم المخاطر وقابليتها للتنبؤ، خاصة مع انتشار المدن المزدحمة، والعمل المأجور، وأشكال الفقر الجديدة التي أنتجت مخاطر لم تستطع الأنشطة الخيرية تغطيتها بثبات.
وصدر قانون التأمين ضد المرض الذي صاغه أوتو فون بسمارك في ألمانيا في عام 1883، فكان بداية الانعطاف من تلك الحقبة، وبدلاً من الصدقات العرضية، أسس بسمارك صناديق تأمين إلزامية مرتبطة بالعمل، ذلك الابتكار أعاد تأطير المرض ليس فقط كمصيبة شخصية بل كمخاطر اجتماعية تهدد المجتمع ككل.
تبع ذلك قانون التأمين الوطني في بريطانيا في عام 1911، وبعد الحرب العالمية الثانية دفع تأسيس الخدمة الصحية الوطنية في عام 1948 نموذجاً آخر شامل، ومجاني إلى الواجهة، تموله الضرائب.
أما في الولايات المتحدة، فلم يتشكل إجماع عام شامل على كيفية التأمين الصحي، فظهرت شركات تأمين خاصة لتغطية سوق مترامي الأطراف بحجم الولايات المتحدة، وظهر لاحقاً برنامجا ميديكير وميديكيد الحكوميان في الستينيات، لكن مع ذلك بقيت نفقات الرعاية الصحية هماً كبيرا يؤرق الملايين في الولايات المتحدة.
أضاف القرن الحادي والعشرون طموحاً وضغوطاً، أكدت على أن الرعاية الصحية حق إنساني، وبدأت دول منخفضة ومتوسطة الدخل تشق طريقها نحو تغطية شاملة.
ومع ذلك، فإن الأرقام تروي قصة مُحبِطة، إذ تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 4.5 مليار إنسان لم يُغطوا صحياً بالكامل بخدمات أساسية حتى عام 2021، وأن التحسن على مؤشر تغطية الخدمات قد تجمد منذ 2019، وتستمر النفقات الكارثية للرعاية الصحية في دفع الأسر نحو الفقر والضيق.
وقد أضافت العولمة طبقة جديدة من التعقيد، فالحقوق الاجتماعية ومنها الصحية تكاد تكون دائماً إقليمية، واستحقاقك في بلد ما نادراً ما يتبعك عبر الحدود، ذلك الفراغ خلق تجارة التأمين الصحي الدولي الخاص، كما أجبر الأنظمة الوطنية أيضاً على اتخاذ موقف من المقيمين الأجانب، وبعض البلدان تشترط ببساطة على المقيمين الجدد الانضمام إلى أنظمتها الصحية الإلزامية، وأخرى تفرض التأمين الخاص شرطاً للحصول على حق الإقامة، وكثير منها يُفعّل الاثنين بالتتابع، بمعنى خاص أولاً، ثم عام لاحقاً.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تباين توزيع الإنفاق على الرعاية الصحية بحسب نوع التأمين الصحي، فحوالي ثلاثة أرباع الإنفاق الصحي في دول المنظمة تموله نظم حكومية أو تأمينات إلزامية، سواء عامة أو خاصة.
بينما يغطي الربع المتبقي ترتيبات طوعية مثل التأمين الخاص الاختياري أو المدفوعات المباشرة من الأفراد، كما تؤثر التركيبة العمرية للسكان بقوة في الطلب على الرعاية الصحية، إذ ترتفع مخاطر المرض مع التقدم في السن، بما يقود إلى معدلات وفيات أعلى وانتشار أكبر لأمراض معينة، وبالتالي إلى طلب وإنفاق أعلى على الصحة.
الآن، ماذا لو أردت أن تتقاعد في بلد تَستبدل فيه مناخ بلدك المتقلب بأجواء ربيعية طوال العام، والروتين اليومي الممل باكتشاف أشياء جديدة ممتعة كل يوم، ومراجعتك الدائمة للفواتير التي لا يتحملها معاشك التقاعدي المحدود بقوة شرائية تمهد لك كل سبل الرفاهية لتصبح في غمضة عين في متناول يديك، بالإضافة إلى أصدقاء جدد، ووتيرة أهدأ للحياة.
التقاعد في الخارج حين يسير على ما يرام يتحول معه السقوط على الدرج إلى موعد عند جرّاح عظام كفء بدلاً من أزمة مالية، وبدون طابور معاملات بطيء يؤخر الاستفادة من بطاقة التأمين الصحي.
هذا يعني ضرورة فهم تفاصيل أنظمة التأمين الصحي في بلدك الجديد، وما الذي يبحث عنه الموظفون في هذه الأنظمة، وما هي نسبة أقساط التأمين الصحي قياساً إلى دخلك الشهري، وكيف تتقاطع خطوط سياسة التأمين العامة مع عقود التأمين الخاصة.
أن تشتري بوليصة تأمين صحي ما أو أن تنضم إلى النظام الصحي العام في بلد المهجر يُعدّ تفكيراً سطحياً، ففي بعض البلدان، يُطلب من المتقاعدين الأجانب حمل تأمين خاص لتأشيرات الإقامة الطويلة، وفي بلدان أخرى، تفتح الإقامة أمامهم باب النظام الصحي الوطني وفي كثير منها، وهو النهج الأكثر مرونة الهجين، حيث يكون التسجيل العام هو النواة الأساسية مع إضافة خطة تأمين خاصة متواضعة مرنة وسهلة الاختيار.
بالنسبة للمتقاعد العابر للحدود، هناك ثلاثة مسارات عريضة للرعاية الصحية، الأول هو التأمين الخاص الدولي وهو خيار قابل للحمل معك أينما ذهبت، وتبرز أهميته عندما تستثني الأنظمة الصحية الوطنية غير المواطنين أو عندما تريد الوصول إلى مستشفيات خاصة تعمل خارج الاستحقاقات العامة، لكن الحذر من كلمة دولي التي قد تُخفي تحديات محلية على أرض الواقع.
الخيار الثاني، هو الاندماج في نظام صحي عام وطني، وهو محبذ كثيراً، فمثلاً ألمانيا تُلزم العديد من الطلاب والعمال الأجانب بالانضمام إلى التأمين الإلزامي، كما تربط اليابان وكوريا الجنوبية المقيمين الأجانب بأنظمة التأمين الوطنية بشكل إلزامي، ووفقاً للمفوضية الأوروبية تسمح البرتغال مثلاً للمقيمين القانونيين بالتسجيل في الخدمة الوطنية للصحة.
الخيار الثالث، محاولة الدمج بين تأمين صحي خاص ونظام الرعاية الصحية الوطني، بحيث يكمل التأمين الصحي الخاص الثغرات التي يتعرض لها المغترب، وهو خيار لا يتوفر في كل دول العالم.
كما يوفر التنسيق الأوروبي عبر بطاقة التأمين الصحي الأوروبية وفقاً للمفوضية الأوروبية شبكة أمان مهمة لكن يساء فهمها أحياناً، فهي تخوِّل للشخص المؤمن عليه في دولة أوروبية ما بالحصول على الرعاية الضرورية طبياً خلال إقامة مؤقتة في دولة عضو أخرى، ووفق الشروط والتكاليف نفسها للسكان المحليين، لكنها ليست تصريح إقامة ولا بديلاً عن تغطية شاملة إذا كنت تنتقل إلى إقامة طويلة، فيمكن اعتبارها كمظلة للسفر، لا كسقف للعيش.
بشكل عام التأمين الصحي للمتقاعدين المغتربين هش في كثير من دول العالم، ويحتاج لدراسة متأنية وقراءة نشرات قنصلية الدولة المعنية، مع توقع تغيير القوانين في أي لحظة، ويجب تجنب الخلط بين تأمين السفر والتأمين المطلوب للإقامة الطويلة.
كما أن شراء الحد الأدنى لبوليصة التأمين الصحي غالباً لا يكفي في الواقع، إضافة إلى احتمال وجود استثناءات وفترات انتظار لتلقي الرعاية الصحية، أو طلب الدفع المسبق لنفقات الكشف والعلاج مع التعويض لاحقاً، مما يشكل عقبة كبيرة لمن لا يتوفر له بشكل فوري المال الكافي.




